الوثنية القبورية في الديانة الرافضية

الوثنية القبورية في الديانة الرافضية
36 views مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 4 ديسمبر 2018 - 10:28 مساءً

د. بليل عبدالكريم

مِن مصائب الدهور على المسلمين – ومصابهم جلل – أن يعود بهم الزمن ليُعبد اللات والعُزى، بعد أن كانت لهم تماثيل كعادٍ الأولى، صار لهم أضرحة ومشاهد وقباب لأصحابها الصفات المثلى، فكانت الأصنام الأُوَل زلفى لمن هم عند عبَدتِهم في القسم جهد أيمانهم، وأصبَحوا للخلف مقصدًا لا واسطة، وبهم تكون أغلَظ الأَيمان في النوائب.

وذي بِدع حادثة في عُرف المسلمين مِن بناء القباب على القبور، ورفعها لأمتار، وتسميتها بالمراقد والمشاهد، وإيقاد السُّرُج والقناديل فيها، وجعلها أماكن عبادة؛ لها نسُك وأدعية وصلوات وأوراد وآداب تجعلها مثلها مثل المساجد للصلاة والعبادة، وهذا من أكبر ما دسَّه الرافضة على دين الأمة، تشبُّهًا منهم بالنصارى الفرس، والمانوية والديصانية، وغيرها مِن مِلَل الفُرس التلفيقيَّة.

وقد مرَّت بدعهم مِن طريق الصوفية للعامة، ومِن دهاليز السياسة للخاصة، فكثير من الحكومات السنيَّة كان بين ظهرانيها رافضة يستخفُون بدينهم، وكثيرًا ما لبسوا على أُولي الأمر، ومكروا بهم، خاصة في سِني الخلافة العباسية، “وقلَّدهم فيه بعض المنتسبين إلى السنَّة من الملوك، والسلاطين الجاهلين، ولا سيما الأعاجم منهم؛ كالجَراكسة، والتُرك”(1)، والشركس والديلم والكُرد.

والرافضة هم أول مَن ابتدع شدَّ الرحال للقبور، وأول مَن جعل المشاهد، وأول مَن نظر وكتب وألف مناسك للأضرحة والمراقد والمشاهد، هي ومناسك الحج على السواء.

قال الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب: “وبسبب الرافضة حدَث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد”(2).

وقد صنَّف شيخُهم ابن النعمان(3)، المعروف عندهم بالمُفيد – وهو شيخ الموسوي والطوسي(4)- كتابًا سماه: (مناسك المشاهد)، جعل قبور المخلوقين تُحجُّ كما تُحَجُّ الكعبة.

وقد عُلم بالاضطرار مِن دين الإسلام أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يأمر بما ذكروه مِن أمر المَشاهد، ولا شرَعَ لأمته مناسك عند قبور الأنبياء والصالِحين، بل هذا مِن دين المشركين(5).

ومَن طالع تآليف القوم عَلِم مدى تَكاثُر نسبة صفات الألوهية وأعمال الربوبية للأئمة، تجاوَزوا بها حدَّ مقام التقديس، مما يُضفي عليهم هالة آلهة الفرس، بل في مصادرِهم روايات وتصريحات بصفات ربوبية للأئمة، وذا وإن كان غريبًا للعامة ومن لم يكن له دراية بالفلسفة – خاصة اليونانية والأفلاطونية الحديثة – فهو أمر مِن قَبيل تراكم الفكر الوثني الفارسي المتشبِّع بالتراث المجوسي الزرادشتي واللاهوت النصراني.

فمن المعلوم باليقين لدى المطالعين لفلسفة نشأة الكون عند الإسماعيلية والفارابي وابن سينا وإخوان الصفا، أن هؤلاء ومَن لفَّ لفيفهم يُؤلِّهون الأفلاك، ويَزعُمون أن هناك آلهة في السماء وفي الأرض، ومِن ذلك أئمتهم(6).

والفاقرة الكؤود هذا الفري الساذج في مصادرهم لتشريعات لمناسك للأضرحة، مِن آداب وشروط وأدعية وفضائل، مما يُنبئ عن سفاهة في العقول، وضحالة في التفكير لدى هؤلاء القوم؛ حتى صار منهم ما تردُّه عقول البشر أجمعين، وما يَنتبِه لسخفه البليد قبل النبيه.

فهل يتقبَّل أن يتحول التبجيل والاحترام لتأليه وعبادة، لا يَجرؤ كافر أو ملحد – أو جهول حتى – أن يُنكِر أن صنيع هؤلاء هو طقوس دينية تعبُّدية لما هو أمامهم، أكان قبرًا أو حجرًا.

ولنا بملاحظات السياحة لتلك المناطق، لا يرهقهم النظر عن فهمِ أن تلك ظاهرة لطقوس تعبُّدية لشيء ما بصحنِ الضريح، مهما كان دين السائح أو مدارك عقله سيُبصر ويعي ذلك اضطرارًا بالضرورة.

بل لهم مِن السخافات في كرامات الموتى والأئمة ما لم يُجارِهم فيه غير جُهَّال صوفية عهد المماليك، حينما انتشرت ظاهرة المَجذوبين؛ مع إحاطة القارئ علمًا أن أساطين هذه الظاهرة مِن الباطنية الرافضة – كالبدوي – الذين تسلَّلوا للصوفية بعد مطاردتهم من صلاح الدين الأيوبي، أو مِن فُسَّاق الصوفية المتشبِّعين بالفكر الباطني الإباحي، واقتبسوا الفكرة عن الرافضة، ولك أن تُطالع طبقات الشعراني فستجد مِن ذا الكثير.

ولهم في تأصيل دينهم روايات لا أصل لها، مفضوحة موضوعة، بها كلام موغل في الدجل، مدجَّج بتلبيس وتدليس وتحريف للكلم وإفك مبين، يَترامى السفهاء عليها قبولاً، ويَكيد الشياطين بها فجورًا.

فكان مِن تراكُم التراث القبوري في مصنفاتهم أن صار شد الرحال للقبور من أركان الإسلام، وأصلاً مِن أصول الدين، وله أبواب ومصنَّفات، ومواسم ومناسك.

يقول المفكِّر أحمد أمين: “والحق أن التشيُّع كان مأوى يلجأ إليه كل مَن أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد، ومَن كان يريد استقلال بلاده والخروج على مملكته، كل هؤلاء كانوا يتخذون حبَّ أهل البيت ستارًا يضعون وراءه كل ما شاءت أهواؤهم.

فاليهودية ظهرت في التشيُّع بالقول بالرجعة، وقال الشيعة: إن النار محرَّمة على الشيعي إلا قليلاً، كما قال اليهود: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [آل عمران: 24].

والنصرانية ظهرت في التشيُّع في قول بعضهم: إن نسبة الإمام إلى الله كنسبة المسيح إليه، وقالوا: إن اللاهوت اتَّحد بالناسوت في الإمام، وإن النبوة والرسالة لا تَنقطِع أبدًا، فمَن اتَّحد به اللاهوت فهو نبي.

وتحت التشيُّع ظهر القول بتناسخ الأرواح وتجسيم الله والحلول، ونحو ذلك مِن الأقوال التي كانت معروفة عند البراهمة والفلاسفة والمجوس مِن قَبل الإسلام.

وتستَّر بعض الفرس بالتشيُّع وحاربوا الدولة الأموية، وما في نفوسهم إلا الكره للعرب ودولتهم، والسعي لاستقلالهم”(7).

نظرية خَلقِ العالم عند الرافضة الإسماعيلية:

لِفَهمِ تأليه الأئمة في عقيدة الرافضة فهمًا دقيقًا وعِلميًّا، لا بد مِن ضبطِ عقيدتهم في نشأة الكون، وخَلقِ العالم، فتفهم نظرتهم للخالق ومراتب الخلق ومراتب الأئمة، ومنها سيَتجلى أن التقديس ليس تعظيمًا لبشر مخلوق، بل هو تأليه لمن هو آلهة في الأصل، وليست الألوهية طارئة، ولا نظرية متطورة مِن تعصب وغلو، بل عقديتهم في خلق العالم مبنية على أصل نظرية الفَيض، وذي النظرية تَقتضي بقاء جزء إلهي يَختلط بالجسماني ليكون تركيب ناسوت مع لاهوت، ومنه تكوَّن الأئمة والمعظَّمون والمشايخ وغيرهم، وهي فلسفة زرادشتية قديمة جدًّا، لها امتدادات في نِحَل ومِلَل عديدة.

والإسماعيلية مِن الفِرَق الباطنية ومِن غلاة الرافضة، حتى الشيعة الرافضة الجعفرية الاثنا عشرية تتبرَّأ مِن بعض عقائدهم(8)، وهم رأس الباطنية.

نسبتهم إلى إسماعيل بن جعفر، وهم مِن غلاة الإمامية الشيعة، ويُطلَق عليهم اسم السبعية والمباركية والباطنية.

وسموا السَّبعية؛ لأنهم يعتقدون أن أدوار الإمامة سبعة، وأكبرهم يُثبتون له النبوة التي تستمر في عقبِه، فبَين كل نبي ونبي سبعة أئمة، وتدابير العالَم السُّفليِّ عندهم منوطة بالكواكب السبعة التي أعلاها زحل، وهذا مذهب الثنويَّة مِن عبدة الكواكب.

وقد نشأ مذهبهم في العراق، ثم فرُّوا إلى فارس وخراسان، وما وراء النهر؛ كالهند والتركستان، فخالط مذهبهم آراء مِن عقائد الفرس القديمة والأفكار الهندية، وقام فيهم ذوو أهواء في انحرافهم بما انتحَلوا مِن نِحَل، واتَّصلوا ببراهمة الهند والفلاسفة الإشراقيين والبوذيين وبقايا ما كان عند الكلدانيِّين والفُرس المَجوس مِن عبَدة النار، والصابئة عبَدة الكواكب والزرادشتية الثنوية والمانوية والديصانية.

فخلَّطوا عقائد وأفكارًا حول الروحانيات والكواكب والنجوم، واختلفوا في مقدار الأخذ مِن هذه الخرافات، وقد ساعدتهم سريتهم على المزيد مِن الانحراف، وجرَّ تقديسهم للفلاسفة بعضَهم لاعتناق مذهب مزدك وزرادشت في الإباحية والشيوعية، وظهرت منهم طوائف القرامطة والعبيدية والدروز والنصيرية والنزارية، ومنهم الحشاشون والمُستعلية، وهؤلاء مِن أكفَرِ خلق الله قاطبة في العالمين.

ليست عقائدهم مستمدة مِن كتاب ولا سُنَّة؛ فقد داخلتهم فلسفات وعقائد وثنية كثيرة أثَّرت فيهم وجعلتهم أخطر أعداء الإسلام.

وهم ممن انشقوا عن الجعفرية الاثني عشرية، وكانت لهم دولة باليمن أقامها ابن حوشب، وأخرى في مصر لعُبيدالله القداح وهي دولة العُبيديِّين القداحية (المسماة بالفاطمية)، ودولة النزارية الحشاشية لحسن الصباح شمال شرق إيران، ودويلات أُخَر.

غير أنهم في زمننا المعاصر صارت عقائدهم عمدةَ المذهب الجعفري في إيران خاصة بعد السيطرة الصفوية، وذا ما يُقرِّره كبار المراجع الشيعية في إيران، فما كانوا يزعمون أنه غلو من الإسماعيلية صار أصولاً في المذهب الإمامي الجعفري، خاصة بعد القصور الذي أصاب الاثني عشرية في تفسير عدم رجعة الإمام الثاني عشر.

“والغلو الذي جنحت إليه الإسماعيلية مِن إسماعيل فمَن بعده قد حسدتها عليه الإمامية من أيام الدولة الصفوية، وقد اعترف بذلك أكبر علمائهم في الجرح والتعديل (آية الله المامقاني) في كل ترجمة كتبها للغلاة الأقدمين منهم؛ فأعلن في كل موضع تناول به هذا البحث مِن كتابه الكبير بأن: “ما كان به الغلاة الأقدمون غلاةً أصبح الآن عند جميع الشيعة الإمامية من ضروريات المذهب”.

إذًا فالغلو الذي كانت تَفترِق به الإسماعيلية عن الشيعة الإمامية صاروا به سواء، لا فرق بينهما إلا في الشخصيات التي يؤلِّهها كلٌّ منهم، ويرفعها فوق منزلة النبي – صلى الله عليه وسلم”(9).

ونظريتهم في خلق الكون وصفات الله تعالى وصفات الأئمة هي عقدة الفهم لما يُقرِّرون في تعظيم المشاهد بطُقوس وثنية.

فهم يُقرِّرون في مراجعهم عن صفات الله تعالى أنه: “إذا كان الله عريًّا عن كل صفة، فإن صفات الكمال موجودة في أول مُبدِعٍ أبدعَه، فهو الحق والحقيقة، وهو الموجود الأول، وهو الوحدة، والواحد، وهو الأزل، وهو الأزلي، وهو العقل الأول، وهو المعقول الأول، وهو العلم، وهو العالم الأول، وهو القدرة، وهو القادر الأول، وهو الحياة، وهو الحي الأول” (10).

وهذا التشقيق في الكلام زخرفة كُهَّان، تحقيق المناط منه نفْيُ الصِّفة، بأن تكون الصفة هي عين الذات، فلا دلالة لها، ولا فعل يُنسَب لله – تعالى – وكل الصفات إنما هي محصورة في أول موجود أبدعه، وهو العقل الأول، فهو يَحوي كل الصفات الإلهية.

ونفْيُهم الصفات على مذهب الجهمية والمعتزلة، وأصل نحلتهم الرديئة هذه كلام أفلوطين في التساعيات، حينما حاول تقديس الأول، فسلبَه كل الصفات؛ ليُثبِت الأولية المُطلَقة التي تفقد العلة أثرًا وتأثيرًا، وقرَّر أن الأول لا يوصَف إلا بالسلب؛ لأنها أنسَب طريقة لوصفه مِن غير أن تكون له صفة تَقتضي حاجته لها.

وبعد الأول – الله تعالى – يُقرِّرون وجود “العقل الأول” محلاًّ لجميع الصفات والأسماء الإلهية، فهو عندهم الإله ممثلاً في مظاهره الخارجية، ولما كانت الصلاة لا يمكن أن تؤدَّى لكائن لا يُدرَك، فهي تؤدى في رأيهم لمظهره الخارجي؛ أي: “العقل الأول” الذي أصبح بذلك الإله الحقيقي عندهم، وبما أنه ليس في مقدور الإنسان أن يَصِل إلى معرفة ذات الله، وإنما يعرف العقل وحده، لهذا يُسمي الإسماعيلية العقل: الحجاب أو المحلَّ أو الصِّلة(11).

والعقل الأول هو القلم، وهو الخالق المصوِّر، وهو الذي أبدع النفس الكلية التالي، وبواسطة العقل الكلي السابق والنفس الكلية التالي، وجدت المبدعات الروحانية والمخلوقات والجسمانية(12)، وبهذا يكون خلقُ الكون تمَّ مِن طرف إلهَين خالقَين اثنين هما “العقل الكلي” و”النفس الكلية”.

ونجد شهاب الدين الشيعي الإسماعيلي يقول: الحمد لله الذي ظهر لخلقِه، واحتجب عن خلقِه بخَلقِه، وأبدع بأمره الكريم وسرِّه العظيم “السابق الأول”، ثم اخترع منه “التالي الثاني”، فصبغ جوهرهما بنور وحدته، وجعلهما أصلين للخَلقِ والدين ببديع قدرته(13).

ومِن هنا يكون تقرير التماثُل القائم بين العالَم العُلويِّ والعالم السُّفليِّ، بناء على نظرية أفلاطون الوجودية في تقسيم العالم لعالم مُثلٍ سَماويٍّ عُلويٍّ به الآلهة والعقول والأنفس، وعالم سُفلي مادي به العناصر المادية، وصورة للمُثُل العلوية.

“فالله – تعالى – المنزَّه عن الصفات والأسماء أقام العالمَين العُلويَّ والسفلي بعشرة حدود كاملة: خمسة روحانية، وخمسة جسمانية.

فالجسمانية أو الأرضية:

  • النبي.
  • الإمام.
  • الوحي.
  • الحُجَّة.
  • الداعي.

يُقابِل كلاًّ منهم في العالم العلويِّ:

  • السابق.
  • التالي.
  • الجد.
  • الفتح.
  • الخيال.

والجدُّ هو الوحي، والفتح الحجاب، والرسول الخيال”(14).

و”الفَيض الأول”(15) هو أصل الإيجاد، وهو المبدأ وإليه المعاد(16)، وعن العقل الأول تَنبعِث النفس والهيولى والصورة، والمنبعث الأول – النفس الكلية – عقل قائم بالفعل، والمنبعث الثاني – الهيولى – عقل قائم بالقوة.

وعن النفس الكلية تَنبثِق سبعة عقول قائمة بالفعل، وجود كل واحد يكون عن الآخر.

وذي العقول في العالم العلويِّ يُقابلها في العالم السفلي الأئمة السبعة، وموجودات العالم السفليِّ مِن نبات ومعادن وحيوان وإنسان نتاج اتِّصال الكواكب، وهم الآباء، مع الأركان “العناصر” التي هي الأمهات، فتوالدت الموجودات الأرضية، والكواكب والعناصر ناتِجة عن العقل القائم بالقوة (الهيولى)، ولأن “العقول سبعة”؛ فالعالم قائم على دورات سبعة مُتعاقِبة، وكل “دور” له “نُطَقاء” سبعة “أنبياء”، و”أسس” “أوصياء” سبعة، و”أئمة” سبعة، يَلي الدور نهاية الدور السابق له، ويكون بنبي ناسِخ لما قبله.

ومحمد بن إسماعيل هو ناطق (نبي) دور القيامة، بعد دور محمد – صلى الله عليه وسلم – الذي “أساسه” علي بن أبي طالب، وتمَّ “بأساس” إسماعيل بن جعفر الصادق.

هنا حاول الإسماعيلية تفسير نظرية الخلق الفيضيَّة وربطها بأئمتهم، فتكون الأفلاك آلهة في السماء مسؤولة عن الخَلقِ والتدبير، يُقابلها الأئمة في الأرض للتدبير وتصريف الكون، وطوائف منهم عدة بلا حصرٍ تُثبت للأئمة صفات ألوهية بل حتى الربوبية، وهو الثابت في مصادرِهم الأم، مثلهم مثل الجعفريَّة الاثني عشرية.

وذاك يرجع لتقرير أفلاطون أن الجزء الخالد في النفس فاض أصلاً عن الآلهة في السماء، فهو يَحمِل في ماهيته جزءًا إلهيًّا خالدًا، وجزءًا ماديًّا فانيًا، فبعد الموت يرجع الجزء الخالد للسماء؛ حيث يستقر ويستمر في هيئة آلهة لها أحد شؤون تدبير الكون.

ومن هنا نجد الشرك الوثني القديم، القائم على نظريتين اثنتين لا ثالث لهما، هو روحانيات الكواكب، وروحانيات البشر، يُقرَّر بذا الطرح الفلسفي، ثم يُمرَّر في عقيدة الروافض، وتُعطى له تفسيرات واصطلاحات إسلامية، وتأويلات باطنية لبعض آيِ القرآن، ثم يُحشى بكمٍّ هائل من الروايات الخرافية عن أئمة لا يُعلَم مصادر النقل عنهم.

وذي العقيدة تُعرض بمستويات، حسب الطاقة العقلية والعِلمية والعقدية للمُستمِع، فيُفرِّق بين العامة والخاصة، والموالي والقريب، وطلبة العلم والمُريدين، والمبتدي والمُتمكِّن، وتُصنَّف في باب الأسرار.

لذا لا يُستغرَب ادعاء الحاكم بأمر الله العُبَيدي الألوهية، ولا تأليه النُّصَيرية لعلي، ولا الدروز لبعض مشايخهم، فقد سبقهم الفرس في تأليه ملوكهم، وفلسفة أفلاطون وأفلوطين والفارابي وابن سينا وإخوان الصفا ومشايخ الإسماعيلية كلها تقرِّر ذا أصلاً في الكون، وحقيقة لا ينكرها إلا مَن لا يعلم فلسفتهم.

وحتى مراتب الدعوة الإسماعيلية تُقابِل الأفلاك، وهي كالتالي:

1- العقل الأول (المبدع الأول): الفلك الأعلى، ويقابل الناطق، وله رتبة التنزيل.

2- العقل الثاني (الموجود الثاني): يقابل الفلك الثاني، ويقابل الأساس، وله رتبة التأويل.

3- العقل الثالث: يقابل فلك زحل، ويقابل الإمام، وله رتبة الأمر.

4- العقل الرابع: فلك المشتري، ويقابل الباب، وله رتبة فصل الخطاب.

5- العقل الخامس: يقابل فلك المريخ، ويقابل الحُجَّة، وله رتبة الحكم فيما كان حقًّا أو باطلاً.

6- العقل السادس: يُقابِل الشمس، ويُقابِل داعي البلاغ، وله رتبة الاحتجاج.

7- العقل السابع: يُقابل فلك الزهرة، ويقابل الداعي المطلق، وله رتبة تعريف الحدود العلويَّة، والعبادة الباطنية.

8- العقل الثامن: يقابل فلك عُطارِد، ويُقابل الداعي المحدود، وله رتبة تعريف الحدود السُّفلية والعبادة الظاهرة.

9- العقل التاسع: يقابل القمر، ويقابل المأذون المطلَق، وله رتبة أخذ العهد والميثاق.

10- العقل العاشر: يقابل ما دون فلك القمر، ويقابل المأذون المحدود أو المكاسر أو المكالب، وله رتبة جذب الأنفس المستجيبة(17).

وهذا مما ورثه الإسماعيلية مِن دين عبَدة الكواكب والمُنجِّمين، فلُفِّق بفلسفة زائفة، وكفر بواح بصريح النصوص، ومِن عجبهم رد النص القطعي وتقديس النص الفلسفي، بل فرضًا: أن هذه العقيدة صحيحة – عقيدة الأفلاك – ما دليلهم على الغيب الذي يَحكونه عنها، ومَن أبلغهم به؟

أليس مذهبهم هذا هو صريح قول المشركين: هذا ما وجدنا عليه آباءنا الأولين؟

يقول الكرماني – مِن مراجع الإسماعيلية -: “إن اسم الإلهية لا يقع إلا على المبدع الأول”(18).

و”المبدع الأول” ليس “الله تعالى”؛ لأنهم يسمونه “الأول”، بل هو “العقل الأول” الذي فاض عنه مِن غير إرادة ولا اختيار منهم، فهو لا يَقدِر حتى على خلقه أو صنعه، بل انبثق منه مِن غير وعي ولا إرادة ولا علم.

و”العقل الأول” عندهم يقال له: “العقل الكلي، والموجود الأول، والمُبدِع الأول، والسابق، والقلم، والكلمة، وغيرها”(19).

و”العقل الثاني” يُطلَق عليه النفس الكلية، واللوح، والمُبدِع الثاني، والتالي(20)؛ أي إن “الأول” الذي هو الله لم يَصفه بالإلهية، بل الوصف للثاني “العقل الكلي” الذي سيَتفاعل لينتج “النفس الكلية”، ومنهما الكَون كله.

ومِن هنا يكون الخَلق كله، والصفات الإلهية كلها محلها الإلهَين الذين يَليان الأول في الرتبة الوجودية بلا زمن؛ أي قديمين مثله، وذا مربط الفَرس، أن ذا دين الفُرس، فهي عقيدة الثنوية، غير أن بها جدلاً ودجلاً.

والإمام في الأرض هو إله في السماء، يقول إحسان إلهي: “إن الإسماعيلية يقولون بأن العقل الكلي، أو الموجود الأول، أو السابق، يُماثله في العالم الإمام”(21).

ويقول الداعي الإسماعيلي أبو فراس في مبحث (حدوث العالم ومبتدأ العوالم): “إن موجده أوجده إبداعًا لا مِن شيء، وأنه – سبحانه وتعالى – قال له كن فكان – فيضًا واحدًا – فهو “العقل الفعال الأول”(22)، و”الموجود الأكمل”، و”الحجاب المفضَّل”.

وظهر عنه التالي مُخترعًا مِن نوره، ثم ظهرت جميع الموجودات منهما وبهما.

فالفيض الأول هو أصل الإيجاد، وهو المبدأ وإليه المعاد، وهو “السابق” صاحب التمام والكمال.

وأشعته جواهر أفراد إبداعية عقلية، وأشعة التالي جواهر أزواج تركيبية، منها: الهيولى الأولى، والجسم المُطلَق الكوكبي والفلَكي، وهم: الأمهات الأربع(23) والمتولدات الثلاث(24)، واعلم أيها الأخ البار، أن جميع “المركبات الجرمانية” ثُنائية مِن أشعة الأمر بوساطة “السابق”، وجميع “المركبات الجسمانية” المتوالِدة جواهر رباعية تركَّبت مِن تلك الجواهر الثنائية بواسطة “الأمهات الأربع″ و”روحانياتها المحركة” لها، وهي جواهر أفراد مِن أشعة “السابق” بوساطة “التالي”، وأن “التالي” من الأمر بوساطة “السابق”، ومواد “السابق” إلهية بوساطة الأمر، واعلم أنَّ العالم كله بسيط ومركب، ظهر مِن العدم إلى الوجود بوساطة الأصلين – العقل والنفس – فوجود حركاته مِن “التالي” بواسطة “الهيولى”، ووجود روحانيتها المحركة له مِن “السابق” بواسطة “التالي”، وعلته الموجودة أصل هذا العالم – وهما الكاف والنون.

أما الأمر فهو السرُّ الإلهي المكنون بين هذين الحرفين، فالكاف “السابق”، المحدود المكمل يفيض الجود، وهو عِلَّة النون، و”التالي” أصل تركيب الوجود بمواد “السابق”، والخلق ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

  • عالم روحاني، وهو الإبداع، وجواهره أفراد.
  • وعالم جرماني، وهو الاختراع، وجواهره أزواج.
  • وعالم جسماني، وجواهره رباعية تركيبية؛ تركبت منها الأزواج.

فأولها “الجسم المطلق”، ثم “الأفلاك”، ثم “الكواكب”، و”الإسطقصات الأربعة”: النار والهواء والماء والتراب، و”المتولدات الثلاثة”: المعدن والنبات والحيوان.

والإنسان هو نهاية العالم الجسماني، وهو البيت الأكمَل، والحِجاب الأفضل الذي خاطب الله منه الخلقَ بأوضحِ خطاب.

واعلم أن العالم بأسرِه شخص كُرويُّ الأفلاك، مُسبِّح لباريه، ومقدِّس لفاطره ومُنشِئه، عقله “السابق”، ونفس قدسه “التالي”.

وقلبه الجد، وقوة حسِّه ونموه الفتح، وصورة أعضائه الخيال، وعيناه الهيولى، والصورة وجوارحه السبعة البروج الاثنا عشر، وشَطرُه الأيسر السفليُّ المعدن والنبات، وشطره الأيمن الحيوان والإنسان…”(25).

وقال الداعي الإسماعيلي حاتم بن عمران: “وأما الأصل فهو “السابق”، وقد انبعث منه “التالي”، وظهر مِن “التالي” الطبائع الأربعة التي هي الذكور، والعناصر التي منها الأمهات، فكان منها الروح الفرد، وظهَرت في العالم الحُجج في الجزائر، وتبايَنت الأقاليم التي يقوم فيها مقام “الناطق” و”الأساس″ بالدلالات.

وأخذ كل ربع مِن العالم حظه وقسطه إذا كان العنصر مِن “السابق” و”التالي” إلى “الناطق” إلى “الأساس″ و”الإمام” و”الحُجَّة”؛ ليقع الصلاح، فهذا سرُّ الله في العالم الذي لأجله أُخذَت العهود والمواثيق”(26).

وخلاصة مذهبهم اعتقاد ألوهية مَن في المشاهد والمَراقِد؛ لذا جعَل الزيارات وشدَّ الرحال من أصول الدين، وهو اجتهاد جيِّد وفَهمٌ دقيق للُبِّ العقيدة الرافضية؛ فالألوهية ما يتعلق بها – ضرورة – هو مِن أصول الدين؛ لأنه باب عِلميٌّ عقَدي.

يقول أبو حامد الغزالي: “إن مذهب الإسماعيلية ظاهِرُه الرفض، وباطنه الكفر المَحض، ومُفتَتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم، وعَزلُ العُقول عن أن تكون مدركة للحق لما يَعتريها مِن الشبهات ويتطرَّق إلى النُّظَّار من الاختلافات، وإيجاب لطلب الحق بطريق التعليم والتعلم، وحكم بأن المُعلِّم المعصوم هو المُستبصِر، وأنه مُطَّلِع مِن جِهة الله على جميع أسرار الشرائع، يَهدي إلى الحق ويَكشِف عن المشكلات، وأن كل زمان فلا بدَّ فيه مِن إمام معصوم يُرجَع إليه فيما يستبهم مِن أمورِ الدين.

هذا مبدأ دعوتهم، ثم إنهم بالآخرة يُظهِرون ما يناقض الشرع وكأنه غاية مقصدهم؛ لأن سبيل دعوتهم ليس بمُتعين في فنٍّ واحد، (بل يُخاطِبون كل فريق بما يوافق رأيه) بعد أن يظفروا منهم بالانقياد لهم والموالاة لإمامهم، فيُوافِقون اليهود والنصارى والمجوس على جملة مُعتقداتهم، ويُقرُّون معتقدهم في الإلهيات، وقد اتَّفقت أقاويل نقَلة المقالات مِن غير تردُّد أنهم قائلون بإلهَين قديمَين لا أول لوجودهما مِن حيث الزمان، إلا أن أحدهما عِلَّة لوجود الثاني؛ واسم العِلة: “السابق”، واسم المعلول: “التالي”، وأن السابق خلق العالم بواسطة التالي، لا بنفسه،وقد يُسمَّى الأول هو “التام بالفعل”، والثاني بالإضافة إليه ناقص؛ لأنه معلوله، وربما لبَّسوا على العوامِّ مُستدلِّين بآيات مِن القرآن عليه، كقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا} [الحجر: ]، و{نَحْنُ قَسَمْنَا} [الزخرف: 32]، وزعموا أن هذه إشارة إلى جَمعٍ يَصدُر عن واحد، ولذلك قال: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1]، إشارة إلى “السابق” مِن الإلهَين، فإنه الأعلى، وربما قالوا: الشرع سماهما باسم “القلم” و”اللوح”، والأول هو القلم، فإن القلم مُفيد واللوح مُستفيد متأثِّر، والمُفيد فوق المُستفيد، وربما قالوا: اسم “التالي” “قدر” في لسان الشرع، وهو الذي خلَق اللهُ به العالَم؛ حيث قال: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].

ثم قالوا: السابق لا يوصَف بوجود ولا عدم، فإن العدم نفْي والوجود سببه، فلا هو موجود ولا هو معدوم، ولا هو معلوم ولا هو مجهول، ولا هو موصوف ولا غير موصوف.

وزعموا أن جميع الأسامي مُنتفيَة عنه، وكأنهم يتطلَّعون في الجملة لنفي الصانع؛ فإنهم لو قالوا: إنه معدوم لم يُقبَل منهم، بل منعوا الناس مِن تسميته موجودًا، وهو عين النفي مع تغيير العبارة؛ لكنهم تحذلَقوا فسموا هذا النفي تنزيهًا، وسمَّوا مُناقضه تشبيهًا حتى تَميل القلوب إلى قبوله”(27).

ويُمكن هنا أن نلخِّص مقالة هؤلاء على النحو التالي:

إن الله – تبارك وتعالى – ليس له أيُّ فعل ولا دور في الأمر ولا الخَلقِ، وإنما صور الأشياء عنده منذ الأزل قديمة بقِدمه، وأنه فاضَ منه “العقل الأول”، وهذا الفيض أو الانبثاق أو الصدور أزليٌّ أيضًا.

ثم “العقل الأول”، أو ما يُسميه الدروز “النور” فاضَ منه فيضٌ آخَر، وهو “النفس الكلية”، أو ما يُسميه الدروز “الظُّلمة”، ومنهما صدرت المخلوقات، ووجدت بكيفيات يَختلفون في تفصيلها، ويتَّفقون في أنها لم تُخلَق خَلقًا مُباشرًا مِن قِبل الله تعالى، وأنه – تبارك وتعالى عن قولهم – لا دور له في إيجادها، وإنما مصدرها الحقيقي “العقل الكلي” مع “النفس الكلية”؛ أي “النور” مع “الظلمة”.

وعملية الفيض تبدأ في العالم العلويِّ إلى العالم السُّفلي، وبذلك تكون الأَنفُس البشرية فاضت مِن جزء علويٍّ غير مادي هو عقل محض، وجزء مادي مُركَّب مِن هيولى وصورة يتجسَّد منه الجسد.

وبذلك يكون الأئمة والمشايخ وعلماء الرافضة كلهم عبارة عن صور لمثل إلهية قائم في العالم العلويِّ، لهم القدرة على بلوغ مقرِّ الحقائق الأزلية – المثل الأفلاطونية – الموجود في فلك القمر، وبه اللوح المَحفوظ، وهذا العقل الفعال هو آلهة تدبِّر العالم بما بها مِن حقائق، وهو يُقابل جبريل – عليه السلام.

وقدرة الأئمة والفلاسفة والحكماء والمشايخ الأقطاب والأوتاد، بلوغ العقل الفعال، والاطِّلاع على الأسرار والحقائق الأزلية، ومعرفة الغيب والشرائع الجديدة، ونسخ الشرائع القديمة، يتمُّ بعملية تُسمى الارتقاء، طرقها مختلفة، فعند الفلاسفة تتمُّ بالمنطق والرياضيات والفلسفة، والحكماء بالحكمة الإشراقية والزهد، والصوفية بالرياضة والخلوة.

أما عند الرافضة فهي عملية وراثية في أصول الأئمة كونهم مِن فيضٍ إلهي، وبهم جانب ناسوت وآخَر لاهوت، وجزء مُتوارَث في جيناتهم، فيَحصُل مِن ذلك كله أن تقديس القبور هو تقديس للجانب الروحي الإلهي للميِّت؛ لامتلاكه قدرات عقلية ونفسية روحانية خالدة لا تَفنى، تؤهِّله لبلوغ الحقائق الأزلية الكامنة في العقل الفعال باللوح المحفوظ في الفلك الحادي عشر، فيكون بمَقدورِه الاطلاع على الغيب وتدبير شؤون الكون، وتغيير القدر؛ لأنه يَحيا حياة الآلهة في السماء.

بالطبع هذا التحليل لن يُلقى للعوام ولا المبتدئين، لكنه حقيق كلامهم، ولُبُّ دينِهم، وخلاصة عقيدتهم، ومصادرهم الفلسفية طافحة بهذا الكلام.

وكما أنهم قد يُنكِرون التصريح به، تجد محبِّي ابن عربي وفلاسفة الصوفية يُحاولون إنكار مقالة وحدة الوجود، ونفْي تَصريح فلاسفة الصوفية بها، رغم النصوص الصريحة بذلك، فإن واجهَهم بها أحد قالوا: إنكم لا تفهمون كلامهم، وذا ديدن كلام الباطنية، التلبيس والتلفيق، وادِّعاء الخصوصية والانفراد في الفهم والتنظير.

تاريخ تقديس القبور لدى المسلمين:

لم يكن مِن عهد المسلمين – عصر النبوة ولا الصحابة ولا التابعين – البناءُ على القبور أو رفعها أو اتخاذ مواسم للزيارة لها؛ لأن أنوار السنَّة النبوية ساطعة فيهم، ثم دبَّت البدع فيمن تلاهم بالبناء على القبور ورفعها تعظيمًا للمقبور، ثم شاعت العمارة الهندسية الخاصة بالبناء على القبور وهي القباب، وبتطور العمارة الإسلامية تطورت القُبَّة وأصبحت لها وظيفة هامة، هي تغطية المساحات المربَّعة؛ وذلك للاستغناء عن الأخشاب، وقد أقبل المسلمون على استعمال القباب في تغطية المبنى المقام على قبور الشخصيات البارزة مثل الملوك والسلاطين، أو قبور الصالحين، حتى أطلق اسم الجزء على الكل وصارت كلمة “قبَّة” اسمًا للضريح كله، ومن هنا جاء المثل السائر “تحت القُبَّة شيخ”.

على أنَّ أقدمَ ضريح في الإسلام أقيمت عليه قبَّة يرجع إلى القرن الثالث الهجري، وقد عرف هذا الضريح باسم (قبَّة الصليبيَّة)، ويوجد في مدينة “سمارا” بالعراق على الضفة الغربية لنهر دجلة إلى الجنوب مِن قصر العاشق”(28).

وكانت عادة الفرس والنصارى البناء على قبور صالحيهم وعُظمائهم، وبعد الفتح الإسلامي تسرَّبت طُقوسهم مع حديثي العهد بالإسلام، واختلط عليهم احترام الموتى بتعظيم المقبور، “والحاصل أن تقديس القبور وزيارة المشاهد تقليد شيعيٌّ في نشأته، فالشيعة هم أول مَن بنى المشاهد على القبور؛ حيث تتبَّعوا – أو زعموا تحري – قبور مَن مات قديمًا ممَّن يُعظِّمونهم من آل البيت، وراحوا يَبنون على قبورهم ويَجعلونها مشاهد ومزارات، ثم جاء الصوفية فنسَجوا على هذا المِنوال، فجعلوا أهمَّ مشاعرهم هو زيارة القبور وبناء الأضرحة والطواف بها والتبرُّك بأَحجارِها، والاستغاثة بالأموات”(29).

وكلما ابتعَد عهد المسلمين بعصر النبوة ونسوا حظًّا مما ذُكِّروا به، ظهر بينهم الرُّوَيبضة وتداعت عليهم طقوس الأمم السابقة، وكَثُر فيهم التشبُّه بالنصارى واليهود ومَن جاورَهم من ملل الكفر وعبَدة الأوثان، ثم يَنغمِسون في تِلكُم البِدع حتى تُرقِّق الكبيرة الصغيرة، فتجد بعدها علماءهم يَنظرون لها ويدفعون أدلة بطلانها؛ لكثرة الاشتباه والاضطراب عليهم، وأنهم تلقَّوا تلك العقائد عن علماء ومشايخ وفضلاء.

فتجد مثلاً: أن الاحتفال بالمولد النبوي – رغم إقرار الأمة قاطبة باختلاف مذاهبهم أنه حادث، ولو لم يكن فيه إلا أن مَن أحدثه هم العُبيدية الرافضة الإسماعيلية الباطنية القداحية، لكفى به قادحًا ودليلاً على بطلانه؛ ففي سنده المعز ونسبُه اليهودي، ووزيره يعقوب بن كلس اليهودي – ورغم ذا مرَّ على كثير من أساطين العلماء من أهل السنة؛ حتى إنك تتحيَّر كيف مرَّ بهم ذلك.

لكنك بالتدبر تعلم أن ذا العالم كان صبيًّا وفتًى وشابًّا ثم كهلاً، وقد شبَّ ثم شابَ وهو يَحتفل بالمولد، وأُشرب قلبُه به، وسمع مِن كثير – ممن هم لقلبه أقرب الناس – التعبُّد بالاحتفال بالمولد، فسيَصعُب عليه استنكاره، أو التنبه لبدعيته، بل يتكلف له الأدلة من الكتاب والسنَّة.

فبالله عليهم أيكون الباطنية أحبَّ للسنَّة والنبي من علماء السنة ممن كانوا قبلهم ولو بعقد مثلاً؟

أيكون الرافضة الإسماعيلية الملاحدة هم قدوة أهل السنة في التقرُّب للنبي والتعبير عن حبه؟

لقد قرأت لكثير مِن الفضلاء من علماء ومشايخ أهل السنَّة ممَّن يرون جواز الاحتفال بالمولد، فأكثر ما حيَّرني تكلُّفهم للأدلة، ووالله لو أتوا بملء الأرض كلامًا وأدلة لكفاهم عيبًا أن قدوتهم رافضة باطنية ملاحدة، وأنهم يَستنُّون بهديهم ودينهم، وإن حرم علينا التشبُّه بشرائع اليهود، أيجوز بشرائع الباطنية المجوس؟

بل دعواهم جواز الاحتفال بمولد النبي، عِلَّة لجواز الاحتفال بموالد الصالحين والمشايخ الصوفية والشيعة، فتصبح أيام السنَة يومًا بيوم كلها احتفالات، وهذا عين ما تجده في مصر وإيران والعراق وباكستان، وما تجده في أديان الهند؛ حيث لا يخلو يوم مِن عيد بمولد فلان المعظم.

ومثل هذه البدع تجدها دائمًا تَكثُر أيام المِحَن والإحَن، فيورث الفزع ذهاب العقول، وتتسارَع الأفكار في اللجوء للخيال والتشبع بالأساطير الغيبية كعملية تخديرية مِن آثار الواقع المؤلم، وقد ظهر في العصور الوسطى – وخاصة في أوقات المِحَن والحروب التي لا تجد فيها الشعوب مَن تلوذ به – غير الواحد القهار – أن يَتلمسوا أضرحة آل البيت والأولياء للزيارة والبركة والدعاء؛ ليكشف الله عنهم السوء ويرفع البلاء، ومِن ثَمَّ ظهَر ما يُعرف بأضرحة الرؤيا، فإذا رأى ولي من أولياء الله الصالحين في منامه رؤيا مؤداها أن يقيم مسجدًا أو الولي المُسمَّى في الرؤيا، فكان عليه أن يُقيم الضريح أو المسجد باسمه”(30).

وتلك كانت الدعوى نفسها التي أقيمت عليها “مزارات القديسين” عند النصارى “وكان ذلك إبان القرن الخامس الميلادي؛ حيث أصبَح لكلِّ قرية مزار لشهيد يَحوي عظامًا لبعض الموتى المَجهولين، أُخرجت مِن القبور، ومُنحت كل التبجيل والاحترام، دون أدنى دليل يُثبِت أنها – على الأقل – بقايا مسيحيِّين، ويَخلع على هذه الرفات أسماءً وألقابًا لائقة، وفي حالات كثيرة كان المرجع الوحيد في هذا الشأن (حلم) أو (رؤيا) لكاهن أو راهب”(31).

ومثلها في سفح بالكرك زعم بعض العامة عن قبر به أنه “قبر نوح” – عليه السلام، وذا باطل محال لم يقل به أحد ممَّن له علم، ولا هو قبر أحد مِن الأنبياء أو الصالحين.

ومَن زعَم ذاك اخترع القصة اختراعًا، حين وجد أحدهم عظامًا كبيرة، وشمَّ الناس رائحة مِن الرفات، فاعتقدوا أنها لنبي؛ لأن لحومهم محرمة على الأرض، ثم فكَّروا في أي الأنبياء أعظَم خِلقةً، فقالوا: إنه نوح – عليه السلام.

ومثل هذه القصص يتطاير بها الرافضة وجُهَّال الصوفية، فهم يولعون بالخُرافة، ولا يتورَّعون في عن الكذب ولا عن قبول رواية الفساق والمنافقين؛ لأن عقولهم تجد متعة في قبول الخرافة والغرائب، ثم كان منهم أن “بنوا عليه في دولة الرافضة الذين كانوا مع الناصر صاحب حلب ذلك القبر، وزِيد بعد ذلك في دولة الظاهر، فصار وثنًا يُشرِك به الجاهلون”(32).

“وكم مِن مشهد يُعظِّمه الناس وهو كذب، بل يقال: إنه قبرُ كافرٍ، كالمشهد الذي بسفح جبل لبنان الذي يُقال: إنه قبر نوح، فإن أهل المعرفة يقولون: إنه قبر بعض العمالقة، وكذلك مشهد الحسين الذي بالقاهرة، وقبر أبي ذرٍّ الذي في دمشق؛ اتَّفق العلماء على أنه كذب، ومنهم مَن قال: هما قبران لنصرانيين، فالذي يَجري عند المشاهِد مِن جنس ما يَجري عند الأصنام، وكثير مِن المَشاهِد كذب، وكثير منها مشكوك فيه.

وسبب ذلك أن معرفة المشاهِد ليست مِن الدين الذي تكفَّل الله بحفظه للأمة لعدم حاجتهم إلى معرفة ذلك.

والمقصود: أن هؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن يُسووا بين الأنبياء وغير الأنبياء، بل بين الأنبياء والكفار، ويَطلُبون مِن هذا ما يطلبون من هذا، فأي الفريقين أشد تعظيمًا للأنبياء؛ هؤلاء أو مَن يوجب تعظيمَهم، واتِّباع شريعتهم، ويفرِّق بين الحق الذي جاؤوا به، وبين غيره، ولا يُنزِّل أحدًا منزلتهم، ولا يُشبِّه بهم مَن ليس منهم”(33).

نِسبة صفات الألوهية والربوبية لأئمة الرافضة:

لم تتوقف ضلالات الرافضة عند جعل الأئمة فوق الأنبياء والرسل والقول بالعِصمة، بل وصل جرمهم إلى حدٍّ خلعوا عليهم صفات الألوهية والربوبية؛ فالأئمة يَعلمون أعمار الناس وآجالهم، ويَدرون ما كان وما يكون، ولا تخفى عليهم خافية.

ونَعرض هنا نُقولاً عن الرافضة ليتبدَّى جرمهم وضلالهم، الذي تَكاد السموات يتفطَّرن منه وتنشقُّ الأرض وتخرُّ الجبال هدًّا مِن إفكهم بجعل الأئمة آلهةً.

ونكتفي أحيانًا بعناوين بعض الأبواب مِن فهارس الكتب المعتمدة لدى الرافضة، وهي الحُجَّة لديهم؛ ليتعرَّف القارئ على مصائب القوم وعقائدهم الفاسدة:

1- بعض الأبواب مِن فهرس كتاب “أصول الكافي” للكليني (ج: 1):

  • باب: أن الأئمة (ع) نور الله – عز وجل.
  • باب: أن الآيات التي ذكرها الله – عز وجل – في كتابه هم الأئمة.
  • باب: أن الأئمة (ع) إذا شاؤوا أن يَعلموا عَلِموا.
  • باب: أن الأئمة (ع) يعلمون متى يَموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيارٍ منهم.
  • باب: أن الأئمة (ع) يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنه لا يَخفى عليهم شيء – صلوات الله عليهم.
  • باب: أن الله – عز وجل – لم يُعلِّم نبيه عِلمًا إلا أمره أن يعلمه أمير المؤمنين (ع)، وأنه كان شريكه في العلم.
  • باب: أن الأئمة معدن العلم وشجرة النبوة ومختلف الملائكة.
  • باب: أن الأئمة (ع) عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله – عز وجل – وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها.
  • باب: أن الأئمَّة (ع) يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل (ع).

2 – بعض الأبواب في فهرس ” بحار الأنوار” لخاتمة مجتهديهم محمد باقر المجلسي (ج:32 – 72) كتاب الإمامة:

  • باب: أنه لا يُحجَب عنهم شيء من أحوال شيعتهم وما تحتاج إليه الأئمة مِن جميع العلوم، وأنهم يعلمون ما يصيبهم من البلايا ويَصبرون عليها، ولو دعوا الله في دفعها لأجيبوا، وأنهم يعلمون ما في الضمائر، وعِلم المنايا والبلايا، وفصل الخطاب والمواليد.
  • باب: أن عندهم جميع علوم الملائكة والأنبياء، وأنهم أُعطوا ما أعطاه الله الأنبياء، وأن كلَّ إمام يعلم جميع علم الإمام الذي قبله، ولا يُبقي الأرض بغير عالم.
  • باب: أنهم أعلم مِن الأنبياء – عليهم السلام.
  • باب: أحوالهم بعد الموت؛ وأن لحومهم حرام على الأرض، وأنهم يُرفَعون إلى السماء.
  • باب: أن أسماءهم – عليهم السلام – مكتوبة على العرش، والكرسي، واللوح، وجباه الملائكة، وباب الجنة، وغيرها.
  • باب: أنهم يَقدِرون على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وجميع معجزات الأنبياء – عليهم السلام.
  • باب: أنهم – عليهم السلام – سُخِّر لهم السَّحاب، ويُسِّر لهم الأسباب.
  • باب: أنهم – عليه السلام – لا يُحجَب عنهم علم السماء والأرض والجنة والنار، وأنه عُرض عليهم ملكوت السموات والأرض، ويعلمون علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة.

النهي عن تعظيم القبور وتقديس المقبور:

من الألفاظ المتداولة في ذكر زيارة القبور المقدَّسة لفظ “الضريح”، و”المشهد”، و”المقام”، و”المزار” و”المرقد” و”القباب”.

والضريح في اللغة: “البَعيدُ والقَبْرُ أو الشَّقُّ وسَطَهُ أو بِلا لَحْدٍ”(34)؛ فالضَّريحُ، الشق في وسط القبر، وقيل: الضريح، القبر كله، وقيل: هو قبر بلا لحد، “وضَرحَ للميت يَضْرحُ ضَرْحًا، حفر له ضَرِيحًا”(35).

أما الرافضة فقد اشتهروا بمُصطلَح “المشاهد” و”المراقد”، ومَشْهد: بمعنى شاهد وشاهدة، وهو حجر مستطيل يُنصَب على القبر، وهو عمود من الحجارة يوضع عند رأس الميت ورجليه، وقد أُطلِق عليه هذا الاسم؛ لأن كلمة الشهادة قد حُفرت على أحدهما”(36)، و”مَشْهَد: صرح أو عمارة تَضمُّ قبر ولي مِن الأولياء”؛ البكري، (ص: 168)، “تاريخ تونس″، (ص: 142).

أما “المراقد” فيعنى بها أن مَن فيها حي، ومثله مثل نائم لمدة طويلة؛ لأن لحوم الصالحين والأنبياء والأئمة محرمة على الأرض وروحهم بها، فهم أحياء بقبورهم جسدًا وروحًا.

وذا ما عزَّز كلامهم مع الموتى والاستغاثة بهم، وطلب النجدة منهم كأنما هم أحياء بين ظهرانيهم، لا يَحجبهم غير القبر، وسلطانهم دائمٌ فيما فوق القبر، و”المقام” للدلائل على علوِّ مرتبة صاحب “الضريح”، وأنه مكان يُقيم به إقامة الأحياء حتى يخرج.

أما “المزار” فلدوام الزيارة له، بمواسم ومناسبات ونسُك، ومِن تتبُّع الدلالات الاستعمالية نجد أن:

  • القبور هي للعامة.
  • والأضرحة هي لكلِّ ما علا وجُعل له شاهد، أو بُني بمكان خاص منفرد به وأحيط بسياج أو سور أو جدار، وتكون في الغالب لمن لهم مكانة دينية أو سياسية أو اجتماعية.
  • والقباب تكون لمن كان له مقام عالٍ بين قومه؛ كالأمراء والصالحين من أئمة العلم أو مشايخ الصوفية ممن يصنفون ضمن الأولياء ذوي الكرامات والأتباع.
  • أما المشاهد فهي خاصة بآل البيت وأئمة الشِّيعة.
  • والمراقد خاصة بالأئمة عند الإمامية.
  • والمقامات خاصة بالصوفية ممن عدُّوا في مقام الأقطاب والغوث.

وكل هؤلاء الذين يرون جواز فِعلهم في تقديس القبور، مقالهم وفعالهم به دلالة على حياة الموتى واطلاعهم بشؤونهم وتأثيرهم في شؤون الحياة، وأن الموتى يكسبهم انفصالُ الروح عن الجسد في القبر طاقةً روحية كونيّة أعلى مما كانت لهم في حياتهم.

فيتفاعلون معهم بخصوصية الآلهة اليونانية والبابلية والمصرية، التي تتجسَّد في شكل إنسان، ولكلِّ إله اختصاص، فهنالك إله الحرب وآخَر للسلام، وآخَر للزرع والخصب، والبحار، والذرية، وهؤلاء القبوريون لهم أولياء كلٌّ له اختصاصه، حتى في الأمراض، فلكلِّ قبر وليٌّ له اختصاص في شفاء مرض معيَّن وهو ترياق لما قصد له، وكل له طاقة روحية تنفذ في شؤون كونية معينة، وهنالك روايات ونصوص عديدة من مصادر الرافضة الرئيسة المعتمدة، تبيِّن اختصاص الأئمة والأضرحة والمشاهد بصفات ربوبية وتدبير شؤون كونية، وهذا بالنصِّ والحرف عقيدة الوثنيين، لا تخالفها لا في دلالة لغوية ولا عقيدة نظرية ولا سلوكيات عملية في شيء ألبتة، ومَن يُنكر ذا فهو بين جاهل لأحد طرفي المقارنة، أو مُكابر، أو مُجاهِر بوحدة الأديان.

روى المجلسي في “بحار الأنوار” أن جعفرًا الصادق قال عن خصوصية زيارة كل إمام بسلطان في المشاهد، فجعل:

  • عليًّا للنجاة من السلاطين ونفثِ الشياطين.
  • وأما محمد بن علي وجعفر بن محمد فللآخِرة، وما تبتغيه من طاعة الله.
  • وأما موسى بن جعفر فالتَمِس به العافية مِن الله – تعالى.
  • وأما عليُّ بن موسى فاطلب به السلامة في البراري والبحار.
  • وأما محمد بن علي فاستنزل به الرزق مِن الله – تعالى.
  • وأما عليُّ بن محمد فللنوافل وبرِّ الإخوان وما تبتغيه مِن طاعة الله.
  • وأما الحسن بن علي فلآخرة”(37).

والموتى في عرف المسلمين لهم حرمتهم، وقبورهم لها جانب من الآداب، فلا ينظر لأرض المقابر كأرض بور، فلها أحكام قرَّرها علماؤنا في أبواب الجنائز، وفصَّلوا آداب الدفن والزيارة، وبيَّنوا العِبرة التي سُنَّتْ لأجلها، فأعطوا للموتى حقَّهم ولقبورهم الاحترام، غير أن ذاك لا يكون داعيًا للتقديس، وإضفاء هالة حول القبور عامة، أو قبور بعض الخاصة، بدعوى تبجيل الأولياء والأصفياء.

فإنما هي سُنن مَن قبلهم لم يَحيدوا عنها، وهي اعتقاد روحانية الموتى، وتأثير الموتى في الحياة الكونية، واكتسابهم لصفات الآلهة كما في الأساطير المصرية الفرعونية والبابلية والإغريقية، وما نظَّر له أفلاطون في انتقال الجزء الخالد مِن الميت للسماء ليعيش حياة الآلهة، وما كان من أتباعهم من فلاسفة الرافضة كالفارابي وابن سينا وإخوان الصفا في القول بإنكار البعث وخلود النفس وارتقائها كآلهة الأفلاك واطلاعها على الحقائق الأزلية، وتأثيرها في الكون.

ثم كلٌّ يُسميها بما يلبس على قومه، فالرافضة وبعض الصوفية يقول عنها “السر”، وآخَر “البركة” و”الحكمة”، وبعض المعاصِرين يسميه “طاقة روحانية” و”هالة روحية”.

وذي مفاهيم حادثة طارئة في أقوام تشبَّعوا بالخرافات الشركية فاشتبه الأمر عليهم، بل ما ورد من النصوص والمباحث في تحريم الغلوِّ في احترام الموتى والصالِحين، وتقديس الأشخاص، ورفع الناس فوق ما هم عليه، وجاءت نصوص السنَّة الثابتة مُتكاثرة بالنهي الصريح عن كل ذريعة تُفضي إلى ذلك المفهوم الذي يمثِّل خطوة أولى على طريق الانحراف نحو الشرك، وهو ما ظهر في هؤلاء، فصنيعهم ليس ذريعةً للشركِ، بل هو الشرك الأكبر الصريح، والكفر البَواح، لا يقبل التأويل إلا مُكابَرة، فهم لا يَكتفون بطلب الشفاعة والبركة، بل يطلبون منهم الرزق والشفاء والولد ودفع الضرر، بل وتسليط غضبهم على مَن ظلمهم، والصلاة عند قبورهم، وجعل الاعتماد والتوكُّل والتوسل بهم، والخوف منهم خوفًا تعبُّديًّا، ويَذبح لهم القربى، ويُقسِمون بهم في النوازل الشدائد، ويَذكُرونهم في الشدائد قبل ذكر الله – تعالى.

وليتَ شِعري بمُشركي قريش أن يروا هؤلاء، فهل أعزم عليهم أن كانوا أسلموا معهم؛ لأنهم في الشرك سواء؟

كلا بل مُشركو قريش إذا أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين، أما هؤلاء المسلمون إذا أسقط بأيديهم تَسارعوا لقبور موتاهم.

مشركو قريش لا يُقسِمون بالله إلا في العظائم؛ لأنه أجهد الأيمان وأصعبها، أما أولئك فكِبار النوازل وأعظم الأيمان فبالمَقبورين، بل ويُقرُّون بصريح الكلام المَنطوق لا المفهوم بأن لهؤلاء الموتى سلطانًا على الكون تدبيرًا وعِلمًا، وقضاءً وقدرًا؛ قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (38)، ومعنى النهي عن تحويل البيوت لمَقابر، أي لا تَتركوا الصلاة في بيوتكم – صلاة النافلة – لئلا تُشبه المقابر في ترك الصلاة بها، فالمفهوم مِن ذا النص النهي عن الصلاة في المقابر.

وعن النبي – صلى الله عليه وسلم -: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبَد، لعَنَ الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (39)، هذا في قبر خاتم الرسل وقبور الأنبياء، فكيف الحال مع قبور من دونهم؟

وعن علي – رضي الله عنه – أنه قال لأبي الهياج: “ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله: ألا تدعَ تِمثالاً إلا طمسته، ولا قبرًا مُشرفًا إلا سوَّيته”(40).

ونهى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن «يُجصَّص القبر، وأن يُقعَد عليه، وأن يُبنى عليه»، وفي زيادة صحيحة لأبي داود: «أو أن يُكتَب عليه»، ولعن «المتَّخذين عليها – أي القبور – المساجد والسُرج»، وعلى ذلك سار سلفنا الصالح من صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومن تبعهم بإحسان.

“ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم من ذلك شيء في بلاد الإسلام، لا في الحجاز، ولا اليمن، ولا الشام، ولا العراق، ولا مصر، ولا خراسان، ولا المغرب، ولم يكن قد أُحدث مشهد، لا على قبر نبي، ولا صاحب، ولا أحد مِن أهل البيت، ولا صالح أصلاً، بل عامة هذه المشاهد محدَثة بعد ذلك، وكان ظهورها وانتشارها حين ضَعُفت خلافة بني العباس، وتفرَّقت الأمة، وكَثُر فيهم الزنادقة الملبِّسون على المسلمين، وفشَت فيهم كلمة أهل البدع، وذلك مِن دولة المقتدر في أواخر المائة الثالثة؛ فإنه إذ ذاك ظهرت القرامطة العُبيدية القدَّاحية في أرض المغرب، ثم جاؤوا بعد ذلك إلى أرض مصر، وقريبًا من ذلك ظهر بنو بويه، وكان في كثير منهم زندقة وبِدَع قوية، وفي دولتهم قوِي بنو عُبيد القداح بأرض مصر، وفي دولتهم أُظهِر المشهد المنسوب إلى علي – رضي الله عنه – بناحية النجف، وإلا فقبْل ذلك لم يكن أحد يقول: “إن قبر علي هناك، وإنما دُفن علي – رضي الله عنه – بقصر الإمارة بالكوفة”(41)، وقد ذكر بعض المتأخِّرين مِن العلماء أنه لا بأس بالسفر إلى المشاهد، واحتجوا بأن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يأتي قباء كل سبت راكبًا وماشيًا، أخرجاه في “الصحيحين”(42)، ولا حُجَّة لهم فيه؛ لأن قباء ليس مشهدًا، بل مسجد، وهو منهيٌّ عن السفر إليها باتفاق الأئمة؛ لأن ذلك ليس بسفر مشروع، بل لو سافر إلى قباء من دويرة أهله لم يَجُز، ولكن لو سافر إلى المسجد النبوي ثم ذهب منه إلى قباء فهذا يُستحَبُّ، كما يستحب زيارة قبور أهل البقيع، وشهداء أحد.

وقال بعضهم استدلالاً على جواز شد الرحال للقبور: “ويدلُّ على جواز شد الرحال لزيارة القبور، ما قاله عمر – رضي الله عنه – بعد فتح الشام لكعب الأحبار: يا كعب، ألا تُريد أن تأتي معنا إلى المدينة، فتزور سيد المرسلين؟

قال: نعم يا أمير المؤمنين، أنا أفعل ذلك.

وكذا يدلُّ عليه مجيء بلال – رضي الله عنه – مِن الشام إلى المدينة؛ لزيارة قبره – عليه الصلاة والسلام – وذلك في خلافة عمر – رضي الله عنه”.

قال الحافظ ابن عبدالهادي في جوابه للسبكي: “وهو مُطالَب:

أولاً: ببيان صحته.

وثانيًا: ببيان دلالته على مَطلوبه.

ولا سبيل له إلى واحد من الأمرين”(43).

ومن المعلوم أن هذا مِن الأكاذيب والموضوعات على عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وفتوح الشام فيها كذب كثير، ولكن شأن هذا المُعترِض الاحتجاج دائمًا بما يظنُّه موافقًا لهواه، ولو كان من المُنخنِقة، والموقودة، والمتردية، وليس هذا شأن أهل التحقيق.

وبيَّن العلماء الفرق بين الزيارة الشرعية للقبور، التي تكون للعظة والاعتبار وتذكُّر الآخرة والدعاء والاستغفار للميت، وبين الزيارات البدعية والشركية التي يُتقرَّب فيها إلى أصحاب القبور بالذبائح والنذور والاستغاثات وما إلى ذلك من أمور الشرك الأكبر المخرج عن ملة الإسلام، وأن هذه الأمور لا تكون إلا لله وحده لا شريك له؛ لقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام: 162)، ولقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2]، وزيارة القبور تَنقسِم قسمين؛ زيارة مشروعة، وزيارة غير مشروعة.

الزيارة المشروعة:

هي زيارة القبور مِن أجل تذكُّر الآخرة، والسلام على أهلها، والدعاء لهم، فهذه مقاصد الزيارة الشرعية.

الزيارة غير الشرعية:

أ‌- الزيارة المحرمة: كالنياحة والجزع، ولطم الخدود، وكثير من الأفعال التي يفعلها العامة مما يوحي بالتسخُّط على قدر الله.

ب‌- الزيارة البدعية: وهي أن يزور قبرًا من أجل أن يصلي عنده، أو يدعو الله عنده، أو يقرأ القرآن عنده.

ج – الزيارة الشركية: وهي التي يُدعى فيها المقبور من دون الله، ويطلب منه قضاء الحوائج، ودفع المكروه وتفريج الكرب، أو يصلَّى له أو يذبح له أو يُنذَر له؛ فه كل مَن يُقصَد لجلب نفعٍ أو دفع ضرر غيبيٍّ مما لا طاقة للبشر به، وهنا الطلب ليس للتوسُّط ولا للشفاعة؛ بل هو طلب شخصي بالفعل، فهو يقصد لذاته، لا للتوسُّط لغيره.

ولا ريب أن أهل البدع يَحجُّون إلى قبور الأنبياء والصالحين، ويزورونها غير الزيارة الشرعية، لا يقصدون الدعاء لهم كالصلاة على جنائزهم، بل الزيارة عندهم والسفر لذلك من باب تعظيمهم لعِظَم جاهِهم وقدرهم عند الله، ومقصودهم دعاؤهم أو الدعاء لهم أو عندهم، وطلب الحوائج منهم، وغير ذلك مما يقصد بعبادة الله تعالى، ولهذا يقولون: إن مَن نهى عن ذلك فقد تنقَّصهم، فهذا القول مبنيٌّ على ذلك الاعتقاد والقصد والظن.

نشأة المشاهد:

لم يكن في العصور المفضَّلة (مشاهد) على القبور، بل هي على ما أمر به النبي بتسويتها، بلا رفع ولا جصٍّ ولا شاهد ولا بناء، وكل ذلك كان من سنن الأمم السابقة والمُجاورة للمسلمين من مجوس الفرس ونصارى الروم، فلما فُتحت بلدانهم رأى المسلمون تعظيمهم للقبور، وتقديسهم لقبور معظِّميهم حدَّ العبادة، إلا أن هدي النبوة كان قائمًا بقيام الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، إلى أن دارت الدائرة ونزلت النائبة بالمسلمين، حين تسلَّط الرافضة على دول وبسطوا نفوذهم على الخلافة العباسية، وكثر بعد ذلك في دولة بني بويه بناء المشاهد والسرُج والمراقد، وظهرت أصناف النِّحَل، والفلسفات الوثنية، والتنجيم وعبدة الكواكب بما لم يسبق إليه، وشاعت حتى جاهر بها أصحابها، وظهرت القرامطة والقداحية العبيدية بأرض المشرق والمغرب، وإخوان الصفا، وكان بهم زنادقة كفار، مقصودهم تبديل دين الإسلام، ونسخ جميع الأديان وإنكار الصانع.

وكان في بني بويه من المُوافَقة لهم على كثير من ذلك، فبنوا المشاهد المكذوبة، وفي دولتهم أُظهر المشهد المنسوب إلى علي – رضي الله عنه – بناحية النجف، وإلا فقبل ذلك لم يكن أحد يقول: إن قبر علي هناك، وإنما دفن علي – رضي الله عنه – بقصر الإمارة بالكوفة.

فظهرت بدعة الرافضة المجوسية ببناء المشاهد وتعطيل المساجد، ورَووا في إنارة المشاهد وتعظيمها والدعاء عندها من الأكاذيب ما لم يُسبقوا به، وكبر على ذلك الدين أجيال وشابَ عليه شيوخ، وتعلقوا بما يَروي مشايخهم من الإفك، وبهذا يكون إشكالٌ صعب في دعوتهم إلى الحق؛ لاختلاف مصادر الدين ومسالك الاستدلال والأصول، وهنا مكمَن عبقرية الدهاء المجوسي في قطع الصلة بين الصحابة ومن تلاهم، بالطعن في دين الصحابة، وتكفيرهم إلا أفرادًا منهم، فبتروا سند رواية الدين الموروث عن النبي، فكان لهم تشريع ما شاؤوا من بعد، وبناء أصول على ذلك، فإما أن يكون الشيعي بها شيعيًّا أو لا يكون، فهي من أصول الدين، وليس فيهم مَن يُنكِر ذلك، عكس أهل السنة فلم يَجرؤ أحد ممن يُجيز ذلك أن يعدها من أصول الدين، وجمهور علماء أهل السنة على كلمة سواء برمي أصحابها بالبدعة والضلال.

أما “مزارات الشيعة ومشاهدها – اليوم – فقد أصبحت من أكبر مظاهر الشرك بالله تعالى، ولا أمل في تغيير هذا المنكر عندهم؛ لأنه مؤيد بتلك الروايات المنسوبة زورًا لأهل البيت، عكس الأمر عند أهل السنة والذي هو انحراف في واقعهم تُنكِره أصولهم”(44).

يحكي أبو الحسن الندوي بعد زيارته لإيران عن مشهد علي الرضا: “فإذا دخل غريب في مشهد سيدنا علي الرضا لم يَشعُر إلا وأنه داخل الحرم؛ فهو غاصٌّ بالحجيج، مُدوٍّ بالبكاء والضجيج، عامر بالرجال والنساء، مزخرف بأفخر الزخارف والزينات، قد تدفَّقت إليه ثروة الأثرياء، وتبرعات الفقراء”(45).

وذكر المعاصر محمد المظفَّر في “عقائد الإمامية” أن مما امتازت به طائفته واختصت به في أضرحة أئمتهم تشييدَها وإقامة العمارات الضخمة عليها، ولأجلها يُضحُّون بكل غالٍ ورخيص عن إيمان وطيب نفس(46).

وسبب ذلك وصايا الأئمة – في زعمهم – وحثهم لشيعتهم على الزيارة، وترغيبهم فيما لها من الثواب الجزيل، وأن هاتيك القبور – كما يُزعَم – مِن خير المواقع لاستجابة الدعاء(47)؛ حتى إنهم فضلوا مشاهد الأئمة على الحرمين، وما فتئ ثُلَّة من شيوخهم القدامى والمعاصرين يجاهرون بأن كربلاء أفضل من الكعبة المشرفة، فيترنَّم مرجع الشيعة محمد حسين آل كاشف الغطاء:

ومن حديث كربلاء والكعبة *** لكربلاء بان علو الرتبة

ويرى أن هذا من ضرورات مذهبهم فيقول بأن كربلاء “أشرف بقاع الأرض بالضرورة”(48)؛ لأنها شهدت آثارهم وأخبارهم، ويجعلون السعي بين ضريح العباس وموسى كالسعي بين الصفا والمروة والمسافة متساوية 385م.

وقال (آية الله) ميرزا حسين الحائري: “كربلاء تلك التربة الطيبة الطاهرة، والأرض المقدسة التي قال في حقها رب السموات والأرضين مخاطبًا للكعبة حينما افتخرت على سائر البقاع:

“قري واستقري، لولا أرض كربلاء وما ضمَّته لما خلقتُك”.

وكذلك أصبحت هذه البقعة المباركة بعدما صارت مدفنًا للإمام – رضي الله عنه – مزارًا للمسلمين، وكعبةً للموحِّدين، ومطافًا للملوك والسلاطين، ومسجدًا للمصلين”(49).

ونصوص مصادر الرافضة اعتبرت كربلاء أفضل بقاع الأرض؛ فهي تعتبَر عندهم أرض الله المختارة المقدسة المباركة، وهي في مقاييسهم حَرَمُ الله وحرم رسوله وقبَّة الإسلام، وفي تربتها الشفاء، وأن هذه المزايا لم تجتمع لأي بقعة حتى الكعبة(50).

وعلى ذلك يتضح أن الذين بذروا بذورَ شرك القبور كانوا رافضة، وهذا ما تؤكده لنا عالمة الآثار الدكتورة سعاد ماهر فهمي عندما تَسرُد أوائل الأضرحة ذات القباب، فتقول: “من حيث التاريخ:

  • ضريح إسماعيل الساماني، المبني سنة 296 هـ في مدينة بخارى.
  • ثم ضريح الإمام علي – رضي الله عنه – في النجف الذي بناه الحمدانيون سنة 317 هـ.
  • ثم ضريح محمد بن موسى في مدينة “قم” بإيران سنة 366 هـ.
  • ثم ضريح (السبع بنات) في الفسطاط سنة 400هـ.
  • وقد احتفظت لنا جبَّانة أسوان بمجموعة كبيرة من الأضرحة ذات القباب التي يرجع تاريخ معظمها إلى العصر الفاطمي في القرن الخامس الهجري”(51).

فبدايات تعظيم القبور واتخاذها مشاهد وأضرحة ارتبطت تاريخيًّا بأسماء: القرامطة، وبني بويه، والفاطميين (العبيديين)، والسامانيين، والحمدانيين، وجميعهم روافض وإن تفاوتوا في درجة الغلوِّ(52).

وأقدم ضريح في الإسلام أقيمت عليه قبة يرجع إلى القرن الثالث الهجري (284هـ)، وقد عُرف هذا الضريح باسم (قبة الصليبية)(53).

وفي أواخر عهد العبيديين بُني المشهد الحسيني عام 550هـ، بعد أن رأوا تزعزع سلطانهم الروحي ليجذبوا العامة نحوهم، وعهدوا إلى ابن مرزوق القرشي (ت564هـ) تربية مريدي الصوفية(54)، فانتظم أتباعه في طوائف وطرق لنشر الدعوة الإسماعيلية، إلا أن هذه التنظيمات انهارت بانهيار الدولة، وتحول المشهد الحسيني إلى “ضريح صوفي” (55).

ومكانة القبور والأضرحة المقدسة غير قابلة للمساومة في دين الرافضة؛ لذا كان لهم نشاط واسع في عمارة وتجديد المساجد ذات الأضرحة، وبخاصة في مصر وسوريا واليمن(56)، وباكستان

والعراق وحتى السودان.

مناسك الرافضة في المشاهد والمراقد:

أ- حكم زيارة المشاهد لدى الرافضة:

لِنَعي مدى تشبُّع العقل الرافضي بهذه المعتقدات، وكيف أصبح دعاء غير الله توحيدًا، والضلال رشدًا، والعمى نورًا، نطالع مصادرهم التي تقرِّر هذه المعتقدات:

عقد المجلسي بابًا بعنوان: “باب أن زيارته – الحسين – واجبة مفترضة مأمور بها، وما ورَد مِن الذم والتأنيب والتوعد على تركها”، وذكر فيه أربعين رواية(57).

وعن هارون بن خارجة عن أبي عبدالله – عليه السلام – قال: “سألته عمَّن ترك زيارة قبر الحسين – عليه السلام – من غير عِلة؟ فقال: هذا رجل من أهل النار”(58)؛ لأن دينهم اعتقاد أن زيارة المشاهد من أركان الإسلام وأصول الدين، وتركها من الكبائر.

وفي رواية: “لا تدع إتيان المشاهد كلها: مسجد قباء؛ فإنه المسجد الذي أُسِّس على التقوى من أول يوم، ومشربة إبراهيم، ومسجد الفسيح، وقبور الشهداء، ومسجد الأحزاب؛ وهو مسجد الفتح”(59).

وفي رواية: “من لم يأتِ قبر الحسين – عليه السلام – حتى يموت كان منتقص الدين، منتقص الإيمان، وإن دخل الجنة كان دون المؤمنين في الجنة”(60).

ورَووا عن جعفر أنه قال: “إن لله حرمًا هو مكة، ولرسوله حرمًا هو المدينة، ولأمير المؤمنين حرمًا وهو الكوفة، ولنا حرمًا وهو قم(61)، ستُدفن فيه امرأة من ولدي تُسمى فاطمة، مَن زارها وجبَت له الجنة”(62)، عن أبي عبدالله: “يا آل المصطفى، إنا لا نملك إلا أن نطوف حول مشاهدكم”(63).

ب- آداب وأدعية زيارة المشاهد:

جاء في “بحار الأنوار” في آداب زيارة ضريح العباس بن علي: “ثم انكبَّ على الضريح وقبِّلِ التربة – على هيئة السجود – وقل: “السلام عليك يا أول مظلوم انتُهك دمه وضيِّعت فيه حرمة الإسلام، فلعن الله أمة أسَّست أساس الظلم والجور عليكم أهل البيت، أشهد أني سِلم لمن سالمتَ، وحرب لمن حاربت، مُبطِل لما أبطلتَ، محقِّق لما حقَّقتَ، فاشفع لي عند ربي وربك في خلاص رقبتي من النار، وقضاء حوائجي في الدنيا والآخرة”(64).

وروي في آداب الزيارة أنه: “إذا أردت زيارة قبر موسى الكاظم وقبر محمد بن علي بن موسى فاغتسلْ وتعطَّرْ والبسْ ثوبَيك الطاهرَين، ثم قل عند قبر الإمام موسى: “السلام عليك يا ولي الله، أتيتُك زائرًا عارفًا بحقِّك، مُعاديًا لأعدائك، مواليًا لأوليائك، فاشفع لي عند ربك يا مولاي”.

وكما للمشاهد آداب زيارة في الحلية فلها أوراد حين الدخول لها، ومنها:

روى الكليني في زيارة ضريح علي بن أبي طالب: “يا ولي الله، إن لي ذنوبًا كثيرة فاشفع لي إلى ربك، فإن لك عند الله مقامًا محمودًا معلومًا، وإن لك عند الله جاهًا وشفاعة، وقد قال تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]”(65).

وفي أخرى: “أتيتُك – يا أمير المؤمنين – عارفًا بحقِّك، مُستبصرًا بشأنك، مُعاديًا لأعدائك، مواليًا لأوليائك، بأبي أنت وأمي، أتيتُك عائذًا بك مِن نار استحقَّها مثلي بما جنيتُ على نفسي، أتيتُك زائرًا أبتغي بزيارتك فكاك رقبتي من النار، أتيتك هاربًا من ذنوبي التي احتطبتُها على ظَهري، أتيتك وافدًا لعظيم حالك ومنزلتك عند ربي، فاشفع لي عند ربك، فإن لي ذنوبًا كثيرة، وإن لك عند الله مقامًا معلومًا، وجاهًا عظيمًا، وشأنًا كبيرًا وشفاعة مقبولة”(66).

ج- فضل زيارة المشاهد عند الرافضة:

في فضائل الزيارة وشدِّ الرحال للمشاهد أساطير وروايات تنمُّ عن سفه عظيم، فلم يَكتفوا بالكذب في مقادير الأجر، بل غالوا حدَّ الشطط، بل حد البلادة في تعداد الثواب، وذا ما هو مقرر في أمهات المصادر بروايات بالمئات.

وفي الغالب يعقدون القياس لزيارة المقام والمشاهد بالحج، ففي كل زيارة يُكتب لك عدد من الحجات، وأحيانًا تُحتسب لك مع الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – فمثلاً: “مَن زار الرضا – عليه السلام – أو واحدًا من الأئمة – عليهم السلام – فصلى عنده صلاة، فإنه يُكتَب له بكل ركعة ثوابُ مَن:

  • حج ألف حجَّة.
  • واعتمر ألف عمرة.
  • وأعتق ألف رقبة.
  • ووقف ألف وقفة في سبيل الله مع نبي مرسل.
  • وله بكل خطوة ثواب مائة حجَّة.
  • ومائة عمرة.
  • وعتق مائة رقبة في سبيل الله.
  • وكُتب له مائة حسنة.
  • وحطَّ منه مائة سيئة”(67).

بالله عليكم ما قيمة الحج بعد هذا إن أصبح وحدة للقياس، وإن صارت كل حركة تعدل ما يفوق عمر الإنسان حجًّا، فلِمَ يَحجُّ الرافضي أصلاً، وأمامه أعمال أعظم من الحج آلاف المرات؟

ورَد في “الكافي”: “إن زيارة قبر الحسين تعدل عشرين حجة، وأفضل مِن عشرين عمرة وحجَّة”(68).

ورُوي في “الكافي”: “كان الحُسين – عليه السلام – ذات يوم في حجر النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو يلاعبه ويضاحكه، وإن عائشة قالت: يا رسول الله، ما أشدَّ إعجابك بهذا الصبي؟

فقال لها: وكيف لا أحبه، وهو ثمرة فؤادي وقرَّة عيني، أما إن أمتي سَتقتُله، فمَن زاره بعد وفاته كتَب الله له حجَّة مِن حججي.

قالت: يا رسول الله، حجَّة مِن حججك؟ قال نعم؛ وحجتَين، قالت: حجتين؟ قال: نعم وأربعًا، فلم تزل تزايده وهو يَزيد حتى بلغ سبعين حجَّة مِن حجج رسول الله وآله بأعمارها”(69)، وفي رواية: “مَن أتى قبر الحسين – عليه السلام – عارفًا بحقِّه كان كمن حجَّ مائة حجَّة مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم وآله”(70)، وفي رواية: (إن الله – تبارك وتعالى – يتجلى لزُوار الحُسين – صلوات الله وسلامه عليه – قبل أهلِ عرفات، ويَقضي حوائجهم ويَغفِر ذنوبهم، ويُشفِّعهم في مسائلهم، ثم يُثنِّي بأهل عرفات فيفعل ذلك بهم)(71)، ورووا عن أبي جعفر قال: (لو يعلم الناس ما في زيارة الحسين – عليه السلام – مِن الفضل لماتوا شوقًا، وتقطَّعت أنفسهم عليه حسرات، قلتُ: وما فيه؟ قال: مَن زاره تشوُّقًا إليه كتَب الله له ألف حجَّة مُتقبَّلة، وألف عمرة مبرورة، وأجر ألف شهيد مِن شهداء بدر، وأجر ألف صائم، وثواب ألف صدقة مقبولة، وثواب ألف نسمة أريد بها وجه الله، ولم يزل محفوظًا سنتَه من كل آفة أهونها الشيطان، ووكِّل به ملك كريم يحفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومِن فوق رأسه ومِن تحت قدمه، فإن مات سنته حضرته ملائكة الرحمن يَحضُرون غلسه وأكفانه والاستغفار له، ويشيعونه إلى قبره بالاستغفار له، ويفسح له في قبره مد بصره، ويؤمنه الله من ضغطة القبر، ومن منكر ونكير أن يروِّعاهُ، ويفتح له باب إلى الجنة، ويُعطى كتابه بيمينه، ويُعطَى يوم القيامة نورًا يضيء لنوره ما بين المشرق والمغرب، وينادي منادٍ: هذا مَن زار الحسين شوقًا إليه، فلا يبقى أحد يوم القيامة إلا تمنَّى يومئذ أنه كان مِن زوار الحسين – عليه السلام)(72).

وفي أصوله روايات تضعف الروايات الأولى إلا أنهم يحملونها على التقية (73).

وقد خص الرافضة زيارة الحسين يوم عرفة بفضل عظيم، فرووا: “مَن أتاه يوم عرفة عارفًا بحقِّه، كُتب له ألف حجة وألف عمرة مبرورات متقبلات، وألف غزوة مع نبي مرسَل أو إمام عادل”(74)، وما هذا إلا صريح المُعتقَد بصرفِ الناس عن مناسك الحج لما هو في دينهم أعظم منه.

وفي رواية عن جعفر أنه قال: “لو أني حدثتكم بفضل زياته – أي الحسين – وبفضل قبره لتركتم الحج رأسًا، وما حجَّ منكم أحد، ويحَك أما علمتَ أن الله اتخذ كربلاء مباركًا قبل أن يتَّخذ مكة حرمًا”(75).

وعنون المجلسي بابًا: باب أن زيارته – عليه السلام – من أفضل الأعمال(76).

روى المجلسي عن أحد فُقهائهم، قال: “مَن زار الرِّضا أو واحدًا مِن الأئمة فصلى عنده فإنه يكتب له بكلِّ ركعة يركعها عنده كثواب مَن حجَّ ألف حجَّة، واعتمر ألف عمرة، وأعتق ألف رقبة، وكأنما وقف في سبيل الله ألف ألف مرة مع نبي مرسل”(77).

يقول صاحب ميزان الحكمة: “مسجد الكوفة بيت نوح، لو دخله رجل مائة مرة كتب الله له مائة مَغفِرة؛ لأن فيه دعوة نوح – عليه السلام – حيث قال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [نوح: 28](78).

ويروي المجلسي رواية عن الصادق أنه قال: “مسجد الكوفة صلى فيه سبعون نبيًّا، وسبعون وصيًّا أنا أحدهم”(79)، وفي رواية: “قال الحسن بن علي – عليهما السلام – لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -: يا أبتاه، ما جزاء مَن زارك؟ فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (يا بُني، مَن زارني حيًّا أو ميتًا، أو زار أباك أو أخاك أو زارك، كان حقًّا عليَّ أن أزوره يوم القيامة فأُخلِّصه مِن ذنوبه)(80).

وعن هارون بن خارجة قال: سمعتُ أبا عبدالله – عليه السلام – يقول: وكَّل الله بقبر الحسين أربعة آلاف ملك شُعثٍ غُبرٍ يَبكونه إلى يوم القيامة، فمَن زاره عارفًا بحقِّه شيعوه حتى يُبلغوه مأمنه، وإن مرض عادُوه بُكرةً وعشية، وإن مات شهدوا جنازته، واستغفروا له إلى يوم القيامة”(81).

د- التصنيف في مناسك زيارة المشاهد:

ذكر الشيخ أغابرزك الطهراني أن مجموع مصنفاتهم في المشاهد ومناسِكِها قد بلغ ستين كتابًا(82).

  • ضمن المَجلسي “بحار الأنوار” ثلاثة أجزاء عنوانها: كتاب المزار، حوى مئات الروايات، وكذا العاملي في “وسائل الشيعة” ذكر 106 أبواب بعنوان أبواب المزار، والكاشاني في “الوافي” عقد 33 بابًا بعنوان: أبواب المزارات والمَشاهِد، وابن بابَويه في “من لا يَحضُره الفقيه” أبوابًا عِدَّة، وفي “التهذيب” للطوسي، و”مستدرك الوسائل” حوى 86 بابًا في الزيارات والمشاهِد، أما المصنَّفات المُفرَدة للزيارة فقط، فمنها:
  • “كامل الزيارات” لابن قولويه.
  • و”عمدة الزائر” لحيدر الحسيني.
  • و”ضياء الصالحين” للجوهري.
  • و”تحفة الزائرين” للمجلسي.
  • و”مفاتيح الجنان” لعباسي القمي.

بعض ما في فهرس الكتاب “مفاتيح الجنان”:

الفصل الخامس: في تعيين أسماء النبي والأئِمَّة المَعصُومين (ع) بأَيام الأسبوع والزيارات لهم في كُلِّ يَوم.

الفَصلُ السَّادِس: في ذِكر نُبذ مِنَ الدَّعَواتِ المَشهُورة، مِن تِلكَ الدَّعوات دُعاءُ الصَّباح لأمير المؤمنين (ع)، دُعاء كميل بن زياد (رض)، دُعاء العشرات، دعاء السمات، دعاء المشلول، الدعاء المعروف بـ: يستشير، دعاء المجير، دعاء العديلة، دعاء الجوشن الكبير، دعاء الجوشن الصغير، دعاء السيفي الصغير المعروف بـ: (دعاء القاموس القدرة)، دعاء مكارم الأخلاق.

الفصل الثامن: من المناجاة الخامسة عشرة لمولانا علي بن الحسين (ع): مناجاة التائبين.

ثلاث كلمات من مولانا علي (ع) في المناجاة: الفصل الأوَّل: في فضل شهر رجب وأعماله.

الفصل الحادي عشر: في أعمال عامة الشهور، وأعمال النيروز، وأعمال الأشهر الرومية.

القسم الثالث:

الفصل الأول: في آداب الزيارة.

الفصل الثاني: في ذكر الاستئذان للدخول في كل من الروضات الشريفة.

الفصل الثالث: في زيارة النبي والزهراء (ع).

الفصل الرابع: في فضل زيارة مولانا أمير المؤمنين (ع) وكيفيته.

الفصل الخامس: في فضلِ الكوفة ومسجدها الأعظم، وأعماله وزيارة مُسلم (ع).

الفصل السابع: في فضل زيارة أبي عبدالله الحُسين (ع).

الفصل الثامن: في فضل زيارة الكاظمين (ع).

الفصل التاسع: في فضل زيارة إمام الإنس والجنِّ المدفون بأرض الغربة، بضعة سيد الورى.

الفصل العاشر: في زيارة أئمة سُرَّ مَن رأى (ع).

بعض أبواب مِن فهرس كتاب (كامل الزيارات) لأبي القاسم جعفر بن محمد بن قلويه:

الباب 19: ما يُستحَب مِن طين قبر الحسين – عليه السلام – وأنه شفاء.

الباب 39: مِن أين يؤخذ طين قبر الحسين – عليه السلام – وكيف يؤخذ.

الباب 49: ما يقول الرجل إذا أكل طين قبر الحسين – عليه السلام.

ختامًا:

هذا هو حقيق دين القوم؛ لا يُشابه دين المسلمين غير اقتباس المسميات، وأمره مبنيٌّ على دين المجوس بطوائفهم المتكاثرة، وجملة معتقداتهم لا تحيد عن دين الفرس، مع إحاطة الباحث علمًا أن ما كان فيه مُشابهًا لليهود أو النصارى، فهو لم يمرَّ للرافضة بالمجاورة أو الاقتباس، بل بالوراثة عن المجوس، فالزرادشتية تشعَّبتْ كثيرًا لتأثيرات هندوسية ويهودية ونصرانية، والفرس مولعون بالتلفيق بين الأديان، والفلسفة انتشرت في الفرس أيام الكسرى أنوشروان، وانتقلت لهم طقوس النصارى بانتقال المدرسة الفلسفية اللاهوتية مِن الشام الرومانية إلى فارس المجوسيَّة.

أما تسرُّب ديانة الرافضة للمسلمين فكان عبر الصوفية؛ لأنهم لما فتَحوا باب الظاهر والباطن والشريعة والحقيقة، فكأنما شرعوا أبوابهم للباطنية، فكانوا مِن كل حدب ينسلون للتداعي عليهم.

والعامة مولَعون بالتقرب للمَحسوس، وهي مِن أكبر الشُّبَه التي تَحيكها شياطين الإنس للتأسيس للشرك، ولا يَفتقِد المشركون في أي عصر أو مكان أن يُلفِّقوا شُبَههم ويُزخرِفوا القول؛ لئلا يتشابه الأمر، وتتكرَّر الصور، فيُفضَح بيت القصيد.

لكن تحقيق المناط أنَّ شدَّ الرحال للقبور وتقديس القبور هي مظاهر شركية، وليست ذرائع للشرك، وذا فصل الخطاب.

========

(1) شد الرحال للقبور: مهدي الكاظمي القزويني، مجلة المنار، 22 شعبان 1345، العدد: 28 (349).

(2) تيسير العزيز الحميد: سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، (ص: 283).

(3) الشيخ المفيد ابن النعمان، كان من أجلِّ مشايخ الشيعة ورئيسهم وأستاذهم، له بحوث واعتزال وأدب، كان من علماء الاثني عشرية الذين ساهموا في إدخال أقوال المعتزلة ومذاهبهم الكلامية في المذهب الاثني عشري، ت: 413 هـ.

(4) محمد بن الحسن بن علي، أبو جعفر الطوسي فقيه الشيعة، أخذ عن ابن النعمان أيضًا وطبقته، له مصنفات كثيرة في الكلام على مذهب الإمامية، وجمع تفسير القرآن، وأملى أحاديث وحكايات في مجلس، حدَّث عن المفيد وهلال الحفار، وَغيرهما، روى عنه ابنه الحسن وَغيره، قال ابن النجار: أُحرقت كتبه عدة نُوَب بمحضر من الناس في رحبة جامع القصر، واستتر هو خوفًا على نفسه بسبب ما يظهر عنه من انتقاص السلف، مات بمشهد عليٍّ في المحرم سنة ستين وأربع مائة؛ لسان الميزان: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني؛ تح: عبدالفتاح أبو غدة، دار البشائر الإسلامية: بيروت، ط (1)، 2002، (ح: 7)، (ص: 83).

(5) منهاج السنة: ابن تيمية، (1: 474 – 647).

(6) وحقيق قولهم هو تأليه الملائكة الموجودة في الأفلاك؛ لذا تجد بعض تفسيراتهم لأسماء الكواكب على أنها مسميات ملائكة، فعبدة الكواكب طائفة منهم تجعل للكواكب والنجوم روحانيات بعقول وأنفس، وخاصتهم تصنفها بالملائكة؛ لذا تجد أن آخِر فلك يُسمى عند الإسماعيلية بالعقل الفعال وهو (جبريل)، بكل صلاحياته وصفاته.

(7) فجر الإسلام: أحمد أمين، (ص: 276 – 278).

(8) يقول الدكتور محمد أحمد الخطيب في الأصل التاريخي للباطنية: الواقع أن مؤرخي الفرق مختلفون في أصلها ومصدرها؛ فمنهم مَن يُرجعها إلى المجوس، ومنهم من ينسبها إلى صابئة حران، إلا أن هذا الاختلاف يزول عندما نعرف أن الأصول التي يعتمد عليها الباطنية بكل فِرَقها وطوائفها نابعة من الفلسفة اليونانية التي غزَت بأفكارها الكثير مِن الفِرَق، والفلسفة اليونانية الأكثر تأثيرًا هي فلسفة أفلوطين الإشراقية الغنوصية، وفيثاغوراس بفلسفته العددية، ويمكن القول بأن منظومة عبدالله بن سبأ هي منظومة غنوصية باطنية، ويرى المؤرخون أن “التصوف الإسلامي الحلولي” المتطرف ذو طابع غنوصي باطني، كما يُصنَّف بعض غلاة الشيعة ضمن الغنوصيِّين، ويُصنَّف العلويون “النُّصَيريُّون” باعتبارهم جماعة إسلامية ذات توجُّه غنوصي؛ الحركات الباطنية في العالم الإسلامي: محمد أحمد الخطيب، (ص: 20)، دراسات في الفِرق: عبدالله الأمين، (ص: 81).

(9) الردود السلفية على الرافضة الإمامية: مجموعة من العلماء السلفيين، (ص: 60).

(10) راحة العقل: الكرماني، (ص: 189)، وهذا الأسلوب في الكلام عن الصفات من تلبيس الجهمية في نفي الصفات؛ حيث إن مَن لا يعي مقالهم قد يتوهَّم إثبات الصفة، والمقالة على خلاف ذلك؛ فمُرادهم أن الصفة هي عين الموصوف؛ أي أن لا معنى قائم بالذات، فمعنى أنه عالِم هو ذاته وفقط، ولا وصف لله بالعلم يترتَّب عنه علمُه بكلِّ شيء.

(11) دائرة المعارف الإسلامية: (3: 381).

(12) الثائر الحميري الحسن بن الصباح: مصطفى غالب، (ص: 102).

(13) المرجع السابق: (ص: 11)، والحدان العقل الكلي السابق القلم، والنفس الكلية التالي اللوح المحفوظ، يُقابِلهما حدا الدين النبي والوصي، وهما الكاف والنون، ولهما صفات العالم العُلوي في العالم السفلي؛ فالناطق والإمام لهما صفات وأسماء العقل الكلي، فالإمام هو الواحد الفرد الصمد، وذا ما نَجده في أشعار مادِحي الإسماعيليَّة خاصة العُبيديِّين:

ما شئتَ أنتَ لا ما شاءتْ الأقدار

فاحكم فأنتَ الواحد القهار

– أديان المؤيد في الدين داعي الدعاة؛ تحقيق محمد كامل حسين، (ص: 98).

(14) هذه هي نظرية المثل والمثول للإسماعيلية، وليست أكثر من تطوير أو إعادة صياغة لنظرية المثل الأفلاطونية.

(15) تُقابلها في الإنجليزية كلمة ” إمانتيزم emanatism، وهي من الكلمة الإنجليزية ” إمانيشن emanation”، ولذا تأتي الكلمة على النحو التالي: ” إمانيشانزم emanationism”، وهي شكل مِن أشكال القول بوحدة الوجود، ويُعتبر هرقليطس الفيلسوف المادي اليوناني أول مَن عبَّر عن نظرية الفيض بقوله: “كل الأشياء تفيض”، وقد قال الأفلاطونيون المحدثون: إن علاقة المُثُل (الأفلاطونية) بعالم الموجودات الحسية ليست علاقة خلق، وإنما علاقة فيض؛ إذ يفيض الإله عن ذاته فيظهر العالم أو ينبثق عنه العالم، فالفيض يحدث كما تسيل المياه أو كما يصدر النور عن الشمس، ومهما كانت الصورة المستخدَمة، فإن الفيضان أو الانبثاق لا يَنتُج عنهما تَغيُّر في المصدر، وعملية الفيضان والانبثاق تفترض وجود طرف أعلى وطرف أسفل، وقمة وحضيض “ثنائية صلبة”، ولكنهما ليسا منفصلين، فالإله هو العقل الكلي، والنفس الكلية هي التي فاضت عنها نفوس الكواكب ونفوس البشر وسائر الموجودات الحسية، وبذلك تتحقَّق الصلة العضوية الحلولية الكمونية بين العالم الأعلى والعالم الأسفل، والرؤية الفيضيَّة بتأكيدها الصِّلَة العُضوية والمباشرة بين الخالق والمخلوق تُنكِر فكرة الخلقِ مِن العدم، وتفتَح الباب على مصراعيه لتقاليد النبوة المنفتحة التي لا تنتهي، وتناسخ الأرواح، فالإشكالية القائمة لدى الفلاسفة القُدامى هو رفض نظرية الخَلقِ مِن عدم، أي نظرية حدوث العالم، ثم تَليه إشكالية الجمع بين الأحادية والتعددية، أي بين الفرد الواحد والكثرة المتعدِّدة، فإن كان الأول واحدًا لا تعدُّد فيه اسمًا أو صفة أو فِعلاً، فكيف تُفسَّر الكثرة في العالم، وكيف تنشأ من الواحد؟

(16) أربع رسائل إسماعيلية: عارف تامر، (ص: 19).

(17) مذاهب الإسلاميين: عبدالرحمن بدوي، (2: 267).

  • الثائر الحميري الحسن بن الصباح: مصطفى غالب، (ص: 113).

(18) مسائل مجموعة من الحقائق العالية، (ص: 180).

(19) راحة العقل، المشرع السادس من السور الثالث، (ص: 195).

(20) حاول البحث في “نظرية الفيض” ستجد اختلافًا طفيفًا في معنى “العقل الأول” و”الأول” و”العقل الكلي”، (وفي الغالب هو تلاعُب لفظي لا أكثر من الباطنية، لذا حاولنا إحصاء المسميات؛ لأنهم يلبسون بين الخالق “الله تعالى” وبين “العقل الأول” المخلوق “الأول”؛ لأنهم يعتقدون أنه هو الخالق، فيحصل الالتباس والتدليس؛ لئلا يقروا بعقيدتهم في الله تعالى، وأن الكون له خالقان إلهَان، هما “العقل الكلي” و”النفس الكلية “فانتبه.

(21) الإسماعيلية؛ تاريخ وعقائد: إحسان إلهي ظهير، (ص: 287).

(22) وهنالك العقل الفعال الثاني، وهو آخر العقول وهو المتواصل مع الأرض وما فيها، وعندهم اللوح المحفوظ، والمعارف والعلوم اللدنيَّة، (والمراد به جبرائيل).

(23) أي العناصر الأربعة: النار، الماء، الهواء، التراب.

(24) الجمادات، النباتات، الحيوانات.

(25) رسالة مطالع الشموس: أبو فراس، (ص: 19 – 20)، (ضمن أربع رسائل إسماعيلية).

(26) رسالة الأصول والأحكام: حاتم بن عمران، (ص: 111).

(27) فضائح الباطنية: الغزالي، (ص: 37 – 39).

(28) مساجد مصر: سعاد ماهر، (ص: 46).

(29) حقيقة القبورية: المنتدى الإسلامي، الرياض، ط (1)، 1999، (ص: 26).

(30) مساجد مصر وأولياؤها الصالحون: سعاد ماهر، (1: 102 – 103).

(31) موالد مصر المحروسة: عرفة عبده علي، (ص: 71).

(32) مجموع الفتاوى: ابن تيمية، (27: 61 – 62).

(33) الرد على البكري: أحمد بن عبدالحليم بن تيمية الحراني أبو العباس؛ تح: محمد علي عجال، مكتبة الغرباء الأثرية: المدينة المنورة، ط (1)، 1417، (ص: 590 – 593).

(34) القاموس المحيط: الفيروزآبادي، (1: 295).

(35) المحكم والمحيط الأعظم: ابن سيده، (1: 455).

(36) تكملة المعاجم العربية: المؤلف: رينهارت بيتر آن دوزي، نقله إلى العربية وعلَّق عليه: محمَّد سليم النعيمي، جمال الخياط، وزارة الثقافة والإعلام: بغداد، ط (1)، من 1979 – 2000 م، (6: 368).

(37) بحار الأنوار: (94: 33).

(38) أخرجه الإمام أحمد، 2: 367، وأبو داود، كتاب المناسك، (باب زيارة القبور)، وصحَّحه الألباني: صحيح سنن أبي داود: (ح: 1769).

(39) أخرجه أخرجه أحمد (2: 246)، وابن سعد في (الطبقات) (2: 362)، وأبو نعيم في (الحلية) (7: 317) بإسناد صحيح، وأما قول الهيثمي، في (مجمع الزوائد)، وصحَّحه الألباني: أحكام الجنائز، (ص: 216).

(40) صحيح مسلم: كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبر، (حديث: 1662).

(41) مجموع فتاوى ابن تيمية، (27: 466).

(42) رواه البخاري في صحيحه (13: 303)، ومسلم (2: 1106) عن ابن عمر – رضي الله عنهما.

(43) الصارم المنكي: ابن عبدالهادي، (ص: 12).

(44) أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية: ناصر بن عبدالله بن علي القفاري، (3: 1028).

(45) من نهر كابل إلى نهر اليرموك: أبو الحسن الندوي، مجلة الاعتصام، السنة: 41، العدد 3، (ص: 93).

(46) أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية: ناصر بن عبدالله بن علي القفاري، (3: 1029).

(47) عقائد الإمامية: محمد رضا المظفر، (ص: 133).

(48) الأرض والتربة الحسينية: محمد حسين آل كاشف الغطاء (55 – 56).

(49) أحكام الشيعة: الحائري، (1: 32).

(50) تاريخ كربلاء: عبدالجواد آل طعمة (115 – 116).

(51) مساجد مصر وأولياؤها الصالحون: سعاد ماهر محمد، (1: 46).

(52) التاريخ الإسلامي: عبدالعزيز بن عبدالله الحميدي، (6: 149).

(53) مساجد مصر وأولياؤها الصالِحون: سعاد ماهر محمد، (1: 46).

(54) هذه إحدى التقنيات الرافضية الباطنية الشديدة الخطورة والفاعلية لاختراق أهل السنة – خاصة العامة – بتسريب الأفكار والمعتقدات عبر التصوف، بعرض الباطل في قالب صوفي عرفاني لا يَخضع لا لقانون العقل، ولا هو بحاجة لإثبات بالنقل؛ لأن معياره ذاتي قلبي كشفي.

(55) الصوفية والسياسة في مصر: عمار علي حسن، (ص: 88).

(56) شهر في دمشق: عبدالله بن محمد بن خميس (67).

(57) بحار الأنوار: المجلسي، 100: (1 – 11).

(58) وسائل الشيعة: العاملي، (10: 336 – 337)، (تهذيب الأحكام: الطوسي، (2: 14).

(59) بحار الأنوار: المجلسي (100: 215).

(60) المصدر نفسه: (100: 4).

(61) و”قم” كلمة فارسية لمدينة مقدَّسة ومشهورة عند الشيعة في إيران، قدَّسوها لوجود قبر فاطمة بنت موسى بن جعفر إمامهم السابع، ويرجع الفضل في زيادة أهمية “قم” للشاه عباس الصفوي الكبير، الذي اهتمَّ بتشجيع زيارة القبور داخل المملكة الإيرانية الصفوية؛ حتى لا تتسرَّب الأموال خارج البلاد، ولنفسِ السبب يُعزى دفن الملوك الصفويِّين في قم؛ معجم البلدان: ياقوت الحموي (4: 397).

(62) بحار الأنوار: المجلسي، (102: 276).

(63) بحار الأنوار: المجلسي، (100: 126).

(64) المصدر نفسه: (98: 237).

(65) الكافي: الكليني، (4: 569).

(66) المصدر نفسه: (ص: 571).

(67) بحار الأنوار: المجلسي، (97: 137 – 138).

(68) فروع الكافي: الكليني، (1: 324).

  • وسائل الشيعة: العاملي، (10: 348).
  • تهذيب الأحكام: الطوسي، (2: 16).
  • وسائل الشيعة: العاملي (10: 348).

(69) المصدر نفسه: (10: 351).

(70) وسائل الشيعة: العاملي، (10: 350).

(71) بحار الأنوار: المجلسي، (100: 37).

(72) وسائل الشيعة: العاملي، (1: 35).

(73) بحار الأنوار: المجلسي، (101: 35).

(74) فروع الكافي: الكليني، (1: 324).

  • من لا يَحضره الفقيه: ابن بابويه القمي، (1: 182).
  • التهذيب: الطوسي، (2: 16).

(75) بحار الأنوار: المجلسي، (101: 33).

(76) المصدر نفسه: (101: 49).

(77) المصدر نفسه: (100: 137 – 138).

(78) ميزان الحكمة: (4: 398).

(79) بحار الأنوار: المجلسي، (11: 58).

(80) المصدر نفسه: (100: 140).

(81) الكافي: الكليني، (4: 584).

(82) الذريعة: آقا بزر الطهراني، (20: 316 – 326).

المصدر: شبكة الألوكة.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الإعلامى محمد صابر الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.