الصوم تربية بالحرمان

22 views قراءة
أخر تحديث : Monday 22 April 2019 - 11:57 PM

بَدَأ ابتلاءُ اللهِ لعبادِه بالحرمان منذ فترة مبكرة في حياة الإنسان؛ فأولُ من حُرِم هو آدمُ أبو البشر، حَرَّم اللهُ عليه إحدى ثمار الجنة “وقلنا يا آدمُ اسكُن أنت وزوجُك الجنة وكُلَا منها رَغَدا حيثُ شِئتُمَا ولا تقَرَبَا هذه الشجرة فتكونَا من الظالمين” (البقرة: 35). فكان هذا التحريمُ نوعا من الحرمان يهدفُ إلى التربية.

فلم يكن الحرمانُ في جوهرِه تعذيبا لآدمَ وزوجه بقدر ما هو اختبارُ لقوة إرادتهما، وشدة تحملهما، وامتثالهما لأوامرِ ربهما ونواهيه.

إنَّه وسيلة من وسائل تربية النفس الإنسانية وترويضها وإخضاعها لطاعة الله. وهو ما يعودُ على الإنسان بالمنافع العديدة في دنياه وآخرته.

وتلك المعاني كلها تعبرُ عن حقيقة الصوم.

إنه حرمانٌ عمَّا أحلَّ اللهُ من شهوةِ الطعام والشراب وغيرهما، وصولا إلى ترويضِ النفس وقهرها على نبذِ شهواتٍ قد تُودِي بها إلى الهلاك، كشهواتِ: الغيبة، والنميمة، وتحرِّي الكذب، والجشع، والشراهة، وأكل أموال الناس بالباطل، وانتهاك الأعراض، وسفك الدماء بغير حق، والظلم، وغيرها.

إن الصومَ هو حرمانٌ مقصودٌ ومؤقتٌ لبعضِ أعضاءِ وأجهزة الجسم، فالجهاز الهضمي يمتنعُ عن استقبال الطعام وهضمه، والأذن تجاهد أن تمتنعَ عن سماعِ ما حرَّم الله، والعينُ تنتهي عن النظرِ إلى ما حرَّم الله، والقدمُ لا تسعي إلا فى الخير، واليدُ تكف الناسَ والحيوانَ أذَاها وبطشَها، واللسانُ ينتهي عن كوكتيلِ الغيبة والنميمة والكذب والنفاق، كل ذلك بنيةٍ مقصودة ولوقتٍ معلوم ومُحَدَّدٍ ببداية ونهاية.

وهذا الحرمانُ والتعطيلُ المؤقتُ لأعضاء وأجهزة الجسم هو استجابةٌ روحيةٌ للأمر الإلهي بفرض الصوم، كنوعٍ من التدريب والتهذيب لتلك الأعضاء والأجهزة بما يكبح جماح النفس التواقة إلى السوء والشر.

والصوم رياضة بدنية تُؤتِى ثمارها الطيبة، فهو يُريحُ الجهاز الهضمي ويزيلُ السموم ويحرقُ الدهونَ ويخفضُ مستويات السكر فى الدم، ويعززُ الجهازَ المناعي، ويمنحُ العينَ بعضًا من الراحة، ويُشعر الأذنَ بحلاوةِ الصمتِ والسكون.

ومع الفوائد الروحية والبدنية للصوم إلا أن الحرمان ليس أمرا سهلا أو هينا؛ فكبتُ الشهواتِ وقهرها يحتاج إلى نية ورغبة يليهما عزيمة وعمل، ثم إصرار واستمرار. وهذا كله يتهدده إبليس، وهو عدو يقِظ يترصَّدُ نية الإنسان فيفسدها، وعزيمته فيوهنها، وإصراره فيعطله. وهذا دأبه مُذْ أغري آدم وزوجه بالأكل من الشجرة المحرمة فأخرجهما من دار النعيم إلى دار الكَبَدِ والمعاناة، ليستمرَّ الصراع الأزلي بين ذرية آدم وإبليس.

ولذلك علينا أن ننتهز تلك الفرصة المتجددة للابتلاء بالحرمان، وأعني شهر الصوم لنجددَ النية ونشحذَ العزيمة ونمسكَ بحبل الإصرار لنثأرَ من عدونا ونردَّ له الصاعَ صاعين عسى أن نُرِي ربَّنا من أنفسنا خيرا فنجوزَ الابتلاءَ ونكون برحمة الله من السعداء؟!!!

ومن فضل الله علينا أن جعل هذا الحرمان وتعطيل الأعضاء والأجهزة الإنسانية عن القيام بوظائفها مُحدَّدا بوقتٍ معلوم، وذلك  لتتحققَ الفوائدُ المرجوة منه في التربية بعيدا عن الآثار السلبية للإفراط فى هذا التعطيل، فكلُّ ما زادَ عن حدِّه يمكن أنْ ينقلبَ إلى ضِدِّه، ومن هنا يمكن أنْ نفهمَ دلالة قول رسولنا الكريم: “أما واللهِ إنّي لأخشاكُم لله وأتقاكُم له، لكنّي أصومُ وأفطرُ، وأصلي وأرقد، وأتزوّج النّساء، فمن رغِبَ  عن سنّتي فليس منّي” وذلك حين بلغه نبأ القوم الذين أراد أحدُهم أن يصوم الدَّهر ولا يفطر، والآخر أراد الامتناعَ عن الزواج، والثالث أرادَ أن يُصلِّى الليلَ أبدا.

وفي ضوء هذا الفهم لحقيقة الصوم ينبغي للإنسانِ أنْ ينظرَ إلى عاقبة ممارسة تلك الرياضة، فإنْ لم يَجْنِ من ورائِها سوى الجوع والعطش، فبئس الرياضة هي، وما أغنى مَن فرضَها عن قبولها،  أما إذا ظهر الأثرُ الحميدُ لتعطيلِ الأعضاء والأجهزة فصار سلوكا ومنهجا فى حياة الإنسان، بحيث تُحرَمُ المعدة مما اعتادت عليه من الشراهة والسَّرف، ويُحرم السمع والبصر ممَّا يُغضب الله عزَّ وجل، ويُحرمُ اللسانُ من آفاتِ الغيبة والنميمة والكذب والنفاق وغيرها، وتُحرمُ القدمُ عن السعي فى طريق الضلال، وتكف اليدُ أذاها عن الإنسان والحيوان.

حينها يكون الصومُ إن شاء الله مقبولا، وتتحقق الغاية الإلهية من فرضه، ممثلة فى تقوى الإنسان لربِّه محبة فامتثالا فسلوكا.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Mouhamed Saber الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.